النقابات بخصوص التقاعد: الطبقة العاملة ليست صندوقاً أسوداً
وجهت الجبهة المغربية ضد قانوني الإضراب والتقاعد رسالة قوية اللهجة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، عبرت فيها عن رفضها المطلق لأي إصلاح لمنظومة التقاعد يُبنى على تحميل الشغيلة كلفة الاختلالات البنيوية التي راكمها نموذج اقتصادي واجتماعي وصفته بالريعي وغير العادل. واعتبرت الجبهة أن المقاربات المطروحة اليوم تعيد إنتاج نفس الوصفات التقشفية التي استهدفت، على مدى عقود، القدرة الشرائية للطبقة العاملة وأفرغت الحوار الاجتماعي من مضمونه الحقيقي.
وأكدت الجبهة في رسالتها أن “الطبقة العاملة ليست صندوقاً أسوداً يفتح كلما عجزت الدولة عن مواجهة لوبيات الريع ورساميل النفوذ”، مشددة على أن اختلالات صناديق التقاعد لا يمكن اختزالها في معادلات محاسباتية ضيقة، تتجاهل السياق الاقتصادي والاجتماعي العام، ومسؤولية الدولة والمشغلين في تراكم العجز. وانتقدت ما وصفته بسياسة “تجفيف المكتسبات” التي طالت الأجور، والحق في الإضراب، والحق في تقاعد كريم، مقابل الإبقاء على الامتيازات الجبائية والصفقات الريعية دون محاسبة.
ونبهت الجبهة إلى أن مفهوم “الإصلاح” يُستعمل، بحسب تعبيرها، كغطاء لسياسات تقشفية تمس القوت اليومي للأجراء، بدءاً من الأجر الشهري، مروراً بالقدرة الشرائية، وصولاً إلى شروط الإحالة على التقاعد. وأضافت أن الحكومة تعيد اليوم طرح نفس السيناريوهات التي سبق أن أثبتت فشلها اجتماعياً، من قبيل رفع سن التقاعد، والزيادة في الاقتطاعات الشهرية، وتخفيض قيمة المعاشات، بالتوازي مع تضييق الحريات النقابية وتجريم الفعل الاحتجاجي.
ويأتي هذا الموقف في سياق نقاش وطني متجدد حول ملف التقاعد في المغرب، الذي يُعد من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية. إذ تعرف منظومة التقاعد تعددية في الأنظمة، من بينها الصندوق المغربي للتقاعد (CMR) الخاص بموظفي القطاع العام، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) الذي يهم أجراء القطاع الخاص، إضافة إلى النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR). وقد عرفت هذه الأنظمة، خاصة الصندوق المغربي للتقاعد، اختلالات مالية بنيوية، دفعت الحكومات المتعاقبة إلى اعتماد إصلاحات جزئية، أبرزها إصلاح 2016 الذي رفع سن التقاعد تدريجياً، وزاد في نسب الاقتطاع، وخفض من قيمة المعاش.
غير أن النقابات تعتبر أن تلك الإصلاحات تمت على حساب الموظفين والأجراء، دون معالجة الأسباب الحقيقية للعجز، وفي مقدمتها ضعف مساهمة الدولة، وتراكم متأخرات المشغلين، واتساع حجم الاقتصاد غير المهيكل الذي يحرم الصناديق من موارد مهمة. كما تشير إلى أن هشاشة سوق الشغل، وانتشار العقود المؤقتة، وضعف الأجور، كلها عوامل تفاقم الأزمة بدل أن تحلها.
في هذا السياق، حذرت الجبهة المغربية ضد قانوني الإضراب والتقاعد من أن أي محاولة جديدة لتمرير قرارات “تراجعية” على حساب الشغيلة ستُعتبر إعلاناً صريحاً لاستمرار ما وصفته بـ”الهجوم الطبقي”. وأكدت أن التضحيات لا يمكن أن تأتي من “بطون فارغة ولا من أجور مسحوقة”، داعية الحكومة إلى القطع مع منطق تحميل الأزمة للأجير وحده.
وشددت الجبهة على رفضها القاطع لرفع سن التقاعد أو خفض المعاشات أو فرض اقتطاعات إضافية من شأنها تعميق الفقر داخل صفوف الشغيلة، معتبرة أن هذه الخيارات تعكس تبني مقاربات “نيوليبرالية مفلسة” تضع منطق الربح فوق الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية. ودعت إلى إصلاح جذري لمنظومة التقاعد، يبدأ بتحمل الدولة والمشغلين لمسؤولياتهم الكاملة في تسديد المتأخرات المالية، وتوسيع الوعاء الضريبي عبر فرض ضريبة تصاعدية على الثروة والأرباح الكبرى.
كما ربطت الجبهة بين ملف التقاعد وملف الحريات النقابية، معتبرة أن تحصين الحق في الإضراب شرط أساسي لأي استقرار اجتماعي حقيقي، وأن المساس بهذا الحق أو بحقوق التقاعد يشكل “عدواناً طبقياً صريحاً” لا يمكن تزكيته. وأكدت أن الاستقرار الاجتماعي لا يُبنى بالشعارات، بل بإقرار عدالة اجتماعية حقيقية، وتوزيع منصف للثروة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وختمت الجبهة رسالتها بدعوة رئيس الحكومة إلى سحب ما وصفته بـ”المخططات التراجعية”، والقطع مع منطق تحميل كلفة الأزمة للشغيلة، ملوحة بتوسيع قاعدة “المقاومة الاجتماعية” عبر خطوات وحدوية وتصعيدية، تشمل الاحتجاج الميداني، دفاعاً عن التقاعد الكريم وعن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطبقة العاملة.