من قصر غرناطة إلى موائد فاس ومراكش: جذور عراقة ”البسطيلة” المغربية

0

فاطمة سهلي طنجة

البسطيلة” المغربية ليست مجرد طبق في المطبخ المغربي إنها قصيدة من النكهات، وحكاية تُروى عبر القرون، ونقطة التقاء ساحرة بين مرارة الترحال وحلاوة البقاء. هذه الفطيرة العريقة، بلفائفها الذهبية الرقيقة وحشوتها الغنية، ليست طعاماً يؤكل، بل احتفال يُقام، وهي سيدة المائدة التي تتربع على عرش الأطباق الفخمة في المغرب، حاملةً في كل قضمة إرثاً أندلسياً لا يُمحى.

إن الحديث عن البسطيلة هو حديث عن الذاكرة المشتركة لشمال أفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية. فعلى الرغم من أن المغرب هو الموطن الذي احتضن هذا الطبق وأعطاه اسمه وشكله الحالي، إلا أن جذوره تضرب عميقاً في المطبخ الأندلسي العريق. ويُعتقد أن النسخة الأولى من هذا الطبق كانت تُحضر بالحمَام أو الطيور الصغيرة الحلوة المذاق، وتم استقدامها إلى المغرب مع موجات المهاجرين الأندلسيين بعد سقوط الممالك الإسلامية في إسبانيا، خاصة في القرن الخامس عشر. وقد استقر فن الطبخ هذا في مدن عريقة مثل فاس، التي أصبحت بؤرة للحفاظ على هذا التراث وتطويره.

في فاس، تزاوج فن الطبخ الأندلسي الرفيع مع خصوصية المطبخ المغربي، فظهرت البسطيلة بشحمها ولحمها كرمز للثراء والحضارة. ومن هنا، انطلقت الهالة التي تحيط بهذا الطبق. فلم تعد البسطيلة تُقدم في الأيام العادية، بل تحولت إلى أيقونة للبهجة والاحتفاء.

رمز الفخامة وتاج الاحتفالية: مكانة لا تُضاهى

تحتل البسطيلة مكانة لا يزاحمها فيها طبق آخر في المشهد الاحتفالي المغربي. إنها الطبق المركزي الذي يُعلن بداية الوليمة الكبرى، والذي يُنتظر بشغف في المناسبات الكبرى:

الأعراس والحفلات الرسمية: لا يكتمل عرس مغربي فخم أو غداء رسمي على شرف ضيف مهم دون أن تتوسط البسطيلة المائدة. فتقديمها بلفائفها المقرمشة المزينة بالسكر البودرة والقرفة ليس مجرد تقديم للطعام، بل هو تعبير عن التقدير والكرم والاحتفاء البالغ بالضيف.
شهر رمضان والعيدين: تكون البسطيلة حاضرة بقوة في مائدة الإفطار الكبيرة أو في ولائم العيد، حيث ترمز إلى التجمع العائلي والبهجة.
هذه الهالة نابعة من تعقيد تحضيرها وطول الوقت الذي يستغرقه، مما يجعلها عملاً فنياً لا يُقدم إلا في أوقات الذروة. إنها ببساطة، تحفة معمارية من طبقات عجينة “الورقة” الرقيقة، تتطلب صبراً ومهارة عالية، وتترجم مكانة العائلة المضيفة.

تنوع النكهات وجغرافية الأذواق: أنواع البسطيلة وطرق التحضير

تختلف البسطيلة في المغرب باختلاف المنطقة والموسم، لكنها تنقسم بشكل رئيسي إلى نوعين أيقونيين يمثلان الثنائية الحلوة والمالحة للمطبخ المغربي:

البسطيلة التقليدية بالدجاج واللوز (الحلو والمالح)

تعتبر هذه هي النسخة الأصلية والأكثر شهرة، خاصة في مدن الشمال والمدن العريقة مثل فاس والرباط. تمثل هذه البسطيلة توازناً عبقرياً بين النكهات:

المكونات الأساسية:
الحشوة: لحم الدجاج المطهو في مرق غني بالزعفران والزنجبيل والبصل والبقدونس. يُفتت الدجاج، ثم يُطهى المرق المتبقي مع البيض ليُشكل حشوة كثيفة تُعرف بالـ “عقدة”.
اللوز: لوز مقلي ومجروش يُحلى بالسكر الناعم والقرفة، وهو العنصر الذي يمنح الطبق الطابع الأندلسي المميز.
العجينة: عجينة “الورقة” المغربية الرقيقة جدا.
طريقة التحضير (مختصرة): يتم بناء البسطيلة على طبقات: طبقة من ورقة البسطيلة المدهونة بالزبدة، يليها طبقة من “عقدة” البيض والدجاج، ثم طبقة من اللوز المعسل، وتُغلف بإحكام وتُدهن وتُخبز حتى تكتسب لوناً ذهبياً.
التقديم: تُزين بسخاء بالسكر البودرة والقرفة المطحونة.
2. بسطيلة المأكولات البحرية (المالحة)

تُعد هذه النسخة إضافة حديثة نسبياً، ازدهرت خاصة في المدن الساحلية مثل الدار البيضاء وطنجة وأكادير، وهي تعكس غنى السواحل المغربية بالأسماك الفاخرة.

المكونات الأساسية:
الحشوة: مزيج من أنواع مختلفة من المأكولات البحرية (كالـ: القريدس، الحبار، السمك الأبيض، المحار) يُطهى في تتبيلة حارة تُعرف بـ “الشرمولة”، وهي مزيج من الكزبرة والبقدونس والثوم وعصير الليمون والفلفل الحار والزيتون والفطر الأسود
الشعيرية الصينية(Vermicelli): تُستخدم لتكثيف الحشوة وامتصاص نكهات التتبيلة.
الجبن: غالباً ما يُضاف الجبن الأحمر لإضفاء طعم غني وملمس كريمي.
طريقة التحضير (مختصرة): تُخلط المأكولات البحرية المطهوة مع الشعيرية المتبلة، وتُفرد الحشوة داخل طبقات ورقة البسطيلة، وتُخبز.
التقديم: تُزين غالباً بالجبن المبشور والقريدس الكامل أو شرائح الليمون، ولا يُضاف إليها السكر أو القرفة.
3. بسطيلة الحمام (الأصل النادر)

يُعتبر هذا النوع هو الأقرب للوصفات الأندلسية القديمة، وهو أقل شيوعاً الآن ويُحضر غالباً في بعض المناطق الداخلية للحفاظ على الوصفة الأصيلة، بنفس طريقة بسطيلة الدجاج، لكن باستخدام لحم الحمام الذي يمنح نكهة برية أغنى وأعمق.

هكذا، تظل البسطيلة، بكل تنوعها، جوهرة المطبخ المغربي. إنها ليست مجرد طعام، بل قطعة من التاريخ يمكنك تذوقها، وخلاصة لحضارة امتزج فيها الحلو بالمالح، والذكريات بالحاضر، لتُقدم في قالب ذهبي هش لا يُنسى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.