70 مليار درهم تخرج سنويا لسداد الديون الخارجية

0

كشفت تقارير جديدة عن المديونية الخارجية للمغرب، مع نهاية سنة 2025 وبداية 2026، حيث لم تعد المديونية مجرد رقم يُدرج في جداول قانون المالية أو تقارير المؤسسات الدولية، بل تحولت إلى معطى مركزي يفرض نفسه بقوة على النقاش العمومي، في ظل بلوغها مستويات تقارب 60 مليار دولار، وامتداد آجال سداد جزء كبير منها إلى ما بين 2040 و2050. أرقام تعكس، بحسب متابعين، انتقال الدين من أداة ظرفية لتدبير الأزمات إلى خيار بنيوي دائم، تُؤجَّل كلفته المالية والاجتماعية إلى أجيال لم تستفد مباشرة من موارده.

وتُظهر معطيات سنة 2025 أن الدين الخارجي العمومي واصل مساره التصاعدي، إذ انتقل من حوالي 468 مليار درهم في نهاية 2024 إلى ما يفوق 510 مليارات درهم في منتصف 2025، أي ما يعادل أكثر من 50 مليار دولار. وعند احتساب ديون المؤسسات العمومية والالتزامات ذات الطابع شبه السيادي، تقترب المديونية الخارجية الإجمالية من سقف 60 مليار دولار، وهو ما يمثل ما بين 45 و47 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة تُعد مرتفعة في سياق اقتصادي يتسم بضعف النمو وتزايد الضغوط الاجتماعية.

وخلال سنة واحدة فقط، لجأت الحكومة بكثافة إلى التمويل الخارجي، حيث تمت تعبئة ما يقارب 1.8 مليار دولار في شكل قروض لدعم الميزانية وبرامج اجتماعية، إضافة إلى أكثر من 430 مليون دولار لتمويل مشاريع بنيوية وفلاحية، إلى جانب سحب ما يقارب 500 مليون دولار من آليات تمويل مرتبطة بالمرونة والاستدامة. كما تم توقيع خط ائتمان مرن بقيمة 4.5 مليارات دولار، قُدّم على أنه إجراء وقائي لتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني.

غير أن هذه الأرقام، في نظر محللين اقتصاديين، لا تعكس فقط قدرة البلاد على الولوج إلى الأسواق والمؤسسات المالية الدولية، بل تكشف في العمق عن اعتماد متزايد على الخارج لتغطية اختلالات هيكلية في المالية العمومية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً وتشديد السياسات النقدية في الاقتصادات الكبرى، ما يجعل كلفة الاقتراض أعلى وأثقل على المدى المتوسط والبعيد.

ولا يقتصر التحدي على حجم الدين، بل يتجلى أساساً في كلفة خدمته. فقد تجاوزت مدفوعات خدمة الدين الخارجي خلال 2025 عتبة 70 مليار درهم سنوياً، وهو رقم يقارب ميزانيات استثمار قطاعات اجتماعية حيوية مجتمعة. ويعني ذلك، عملياً، أن جزءاً مهماً من الموارد العمومية يُوجَّه لتسديد فوائد وأقساط قروض سابقة، بدل توظيفه في تحسين التعليم أو الصحة أو خلق فرص الشغل.

ويرى مراقبون أن عدداً من القروض المعبأة خلال 2025 ارتبط بشروط وإصلاحات هيكلية، همّت ضبط نفقات الدعم، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية، والتحكم في كتلة الأجور، وإصلاح أنظمة التقاعد. ورغم تقديم هذه الإجراءات في إطار “الاستدامة المالية”، فإن آثارها الاجتماعية، وفق اقتصاديين، تطال بالدرجة الأولى الفئات المتوسطة والفقيرة، في سياق لا يزال فيه النمو الاقتصادي غير كافٍ لتعويض هذه الكلفة.

وتشير قراءات تحليلية إلى أن التحكم المعلن في المديونية يتم في جزء كبير منه عبر إعادة التمويل والاقتراض الجديد، وليس عبر خلق دينامية إنتاجية قادرة على تقليص الاعتماد على الدين الخارجي. فحوالي 90 في المائة من القروض الجديدة تُستعمل عملياً لتسديد التزامات سابقة، ما يُدخل المالية العمومية في حلقة مفرغة من الاقتراض لخدمة الدين، بدل توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج.

وفي هذا السياق، يُطرح سؤال العدالة بين الأجيال بقوة، إذ إن كل درهم يُخصَّص مستقبلاً لسداد فوائد قرض تم التعاقد بشأنه اليوم، هو درهم يُقتطع من إمكانيات الاستثمار في الرأسمال البشري والبنيات الاجتماعية. ومع امتداد آجال السداد إلى حدود 2050، تجد أجيال قادمة نفسها أمام اقتصاد مثقل بالديون، ونمو محدود، وهامش أضيق لاتخاذ قرارات سيادية مستقلة في السياسات العمومية.

وبذلك، لم تعد المديونية الخارجية مسألة تقنية أو محاسبية فحسب، بل خياراً اقتصادياً ذا تبعات سياسية واجتماعية بعيدة المدى، تُرحَّل كلفته إلى المستقبل، في وقت يظل فيه السؤال الجوهري مطروحاً: إلى أي حد تُستثمر هذه الديون في خلق ثروة حقيقية، وإلى أي حد تتحول إلى عبء مؤجل يُثقل كاهل أجيال الغد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.