وزارة الداخلية: 57 بالمائة من البرلمانيين يتمسكون بالعودة إلى البرلمان
تدخل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري على إيقاع سياسي متوتر، بعدما كشفت المعطيات الرسمية لوزارة الداخلية عن سعي نسبة كبيرة من البرلمانيين الحاليين إلى الحفاظ على مقاعدهم والعودة إلى المؤسسة التشريعية، في وقت تتصاعد فيه حدة الخطاب الانتخابي بين مكونات الأغلبية الحكومية، وتتحول الحملة الانتخابية إلى ساحة لتبادل الاتهامات والردود السياسية المباشرة.
وأعلنت وزارة الداخلية، الخميس، أن 7288 مرشحا ومرشحة يخوضون غمار الانتخابات التشريعية برسم 1850 لائحة، قدمتها 28 هيئة سياسية، بما فيها تحالف اليسار، وذلك على مستوى الدوائر الانتخابية المحلية والجهوية. وتكشف هذه الأرقام عن منافسة واسعة على المقاعد البرلمانية، في ظل ارتفاع عدد الترشيحات مقارنة مع الاستحقاقات التشريعية السابقة.
غير أن الرقم الأكثر دلالة سياسيا يتمثل في عدد البرلمانيين الحاليين الذين قرروا خوض السباق من جديد، إذ بلغ عدد أعضاء البرلمان المزاولين لمهامهم والذين تقدموا بترشيحاتهم 227 عضوا، بينهم 204 نواب و20 نائبة وثلاثة مستشارين. وبذلك يسعى ما يقارب 57 في المائة من البرلمانيين الحاليين إلى تجديد وجودهم داخل المؤسسة التشريعية، في مؤشر يعكس تمسك جزء واسع من النخبة البرلمانية الحالية بمقاعدها ورغبتها في الاستمرار داخل المشهد السياسي.
ويكتسي هذا الرقم أهمية خاصة في سياق انتخابي تهيمن عليه أسئلة الثقة والمحاسبة والقدرة على تقديم حصيلة مقنعة للناخبين. فعودة هذا العدد الكبير من البرلمانيين تعني أن جزءا مهما من المعركة الانتخابية لن يدور فقط حول تقديم برامج جديدة، بل سيكون أيضا بمثابة اختبار سياسي للحصيلة التي قدمها النواب والأحزاب خلال الولاية المنتهية.
وتتزامن هذه الرغبة في العودة إلى البرلمان مع ارتفاع منسوب التوتر داخل الأغلبية الحكومية، التي دخلت الحملة الانتخابية وهي تحمل معها حصيلة حكومية تدافع عنها، لكنها تواجه في المقابل انتقادات مرتبطة بالقدرة الشرائية، والتعليم والصحة والتشغيل، إضافة إلى تدبير بعض الملفات التي تحولت إلى مادة انتخابية ساخنة.
وفي هذا السياق، اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال لقاء تواصلي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمديونة، توجيه رسائل مباشرة إلى فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وذلك بعد تصريحات للقجع حول الملعب الكبير ببنسليمان واستضافته المحتملة لنهائي كأس العالم 2030.
ولم يكتف أخنوش بالرد على التصريح الرياضي، بل استحضر وعودا سابقة مرتبطة بالمنتخبات الوطنية، معتبرا أن بعض التوقعات التي سبق إطلاقها لم تتحقق بالشكل المنتظر، قبل أن يحذر من تقديم وعود بشأن نهائي كأس العالم، مؤكدا أن القرار لا يعود إلى مسؤول مغربي بمفرده وأن الملف يرتبط أيضا بشركاء المغرب في التنظيم، خصوصا إسبانيا والبرتغال.
واعتبر رئيس الحكومة أن مثل هذه التصريحات قد تخلق مشاكل للمغرب مع شركائه، في رسالة بدت موجهة إلى حليف حكومي ينتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، لكنها في الوقت نفسه كشفت حجم التنافس السياسي الذي بدأ يطغى على خطاب مكونات الأغلبية مع اقتراب موعد الاقتراع.
ولم يتوقف التوتر عند الملفات الرياضية، إذ دخل الطرفان في مواجهة سياسية أوسع بشأن البرامج الانتخابية والحصيلة الحكومية، في وقت تسعى فيه أحزاب الأغلبية إلى تقديم نفسها باعتبارها الأقدر على مواصلة تدبير المرحلة المقبلة.
في الجهة المقابلة، اختار فوزي لقجع افتتاح الحملة الانتخابية لحزب الأصالة والمعاصرة بخطاب هجومي، دافع فيه عن الحزب وبرنامجه الانتخابي، ورد على الانتقادات التي طالته بسبب ملف استيراد الأغنام وما أصبح يعرف إعلاميا بـ«فراقشية الأغنام»، نافيا تحميله مسؤولية صفقات أطلقتها قطاعات حكومية أخرى، ومؤكدا أن قانون المالية يمر عبر البرلمان قبل المصادقة عليه ونشره في الجريدة الرسمية.
وأقر لقجع بأن عملية استيراد الأغنام لم تحقق النتيجة التي كانت مأمولة، لكنه اعتبر أن ذلك لا يبرر تحميل وزير الميزانية مسؤولية القرارات التنفيذية التي تدخل ضمن اختصاص قطاعات حكومية أخرى. وبعبارات حادة، انتقل إلى مهاجمة من وصفهم بالكاذبين، قبل أن يجعل من البرنامج الانتخابي لحزبه محور خطابه السياسي.
ودافع القيادي في الأصالة والمعاصرة عن البرنامج الانتخابي للحزب، رافضا اختزاله في وصف «الكوكوط مينوت»، ومؤكدا أنه كان ثمرة أشهر من العمل والنقاش. كما دعا إلى تجاوز النقاش حول مكان إعداد البرنامج وكيفية صياغته، والتركيز بدلا من ذلك على مضمون المقترحات وكلفتها وآليات تنفيذها.
ويعكس هذا السجال جانبا من أزمة أوسع تعيشها أحزاب الأغلبية، إذ يفترض أن تخوض هذه الأحزاب الانتخابات وهي تدافع عن حصيلة حكومة واحدة، غير أن التصريحات المتبادلة بين قياداتها توحي بأن الحسابات الانتخابية بدأت تفرض نفسها بقوة على العلاقة السياسية بينها.
وتزداد حساسية الوضع مع انتقال النقاش من البرامج إلى الأشخاص والحصيلة والوعود، بما يجعل الناخب أمام خطابات متعارضة داخل الأغلبية نفسها. ففي الوقت الذي يدافع فيه أخنوش عن حصيلة حكومته، مستحضرا الدعم الاجتماعي المباشر وتوسيع التغطية الصحية ودعم السكن وتراجع البطالة، يقدم لقجع قراءة أكثر نقدا للوضع، مؤكدا أن ما تحقق لم يرق إلى مستوى الطموحات، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تصحيح المسار وإصلاحه وتغييره.
ويطرح هذا التناقض سؤالا أساسيا حول قدرة مكونات الأغلبية على إقناع الناخب بأن لديها رؤية مشتركة للمرحلة المقبلة، خصوصا أن الانتخابات لا تشكل فقط مناسبة لاختيار نواب جدد، وإنما محطة لمحاسبة الوجوه التي شغلت مواقع المسؤولية خلال الولاية السابقة.
وفي الوقت الذي يتمسك فيه 57 في المائة تقريبا من البرلمانيين الحاليين بالعودة إلى البرلمان، سيكون هؤلاء أمام امتحان سياسي مباشر أمام الناخبين. فالعودة إلى المقاعد لن تكون مضمونة بمجرد تقديم الوعود أو استعراض الحصيلة، وإنما ستتوقف على قدرة كل مرشح وحزب على إقناع المواطنين بأن الولاية السابقة كانت ناجحة وأن الاستمرار يستحق تجديد الثقة.
وتكشف المعطيات الرسمية أيضا عن حضور نسائي مهم، إذ بلغ مجموع الترشيحات النسوية 2658 ترشيحا، أي 36.47 في المائة من إجمالي الترشيحات، فيما بلغت الترشيحات المقدمة برسم الدوائر الجهوية المخصصة للنساء 1783 مترشحة، إضافة إلى 875 مترشحة بالدوائر المحلية.
وبذلك تدخل الحملة الانتخابية مرحلة حاسمة، حيث تتقاطع رغبة عدد كبير من البرلمانيين في العودة إلى المؤسسة التشريعية مع رغبة الأحزاب في الحفاظ على مواقعها أو توسيع نفوذها، بينما يجد الناخب نفسه أمام خطاب سياسي تتزايد فيه الوعود وتشتد فيه المواجهات بين الحلفاء قبل الخصوم.
وفي النهاية، قد تكون معركة 23 شتنبر اختبارا مزدوجا: اختبارا للأحزاب وبرامجها، واختبارا للبرلمانيين الذين يسعون إلى تجديد الثقة فيهم. غير أن استمرار تبادل الاتهامات بين مكونات الأغلبية قد يعمق، في المقابل، أزمة الثقة التي تحاول الأحزاب نفسها تجاوزها، ويجعل السؤال الحقيقي في هذه الانتخابات ليس فقط من سيعود إلى البرلمان، بل من سيتمكن من إقناع الناخبين بأن عودته تستحق فعلا أصواتهم.