بنك المغرب يحذر من تنامي “الكاش”

0

دق بنك المغرب ناقوس التنبيه بشأن استمرار الارتفاع القوي في حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة داخل الاقتصاد الوطني، في وقت تكشف فيه أحدث مؤشرات السياسة النقدية عن استمرار الطلب المرتفع على السيولة، بما يفرض تحديات متزايدة أمام القطاع البنكي وتدبير السيولة في الاقتصاد المغربي.

وأظهر تقرير السياسة النقدية الذي أعده بنك المغرب بمناسبة اجتماع مجلسه الفصلي الثالث لسنة 2026، أن الكتلة النقدية المتداولة، والمتمثلة في الأوراق والقطع النقدية، واصلت تسجيل وتيرة نمو قوية، بلغت 18 في المائة خلال يوليوز، مقابل 18,4 في المائة خلال الفصل الثاني من السنة.

ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى أن ارتفاع تداول النقد لا يمثل مجرد زيادة في حجم الأموال الموجودة خارج البنوك، بل ينعكس مباشرة على حاجيات القطاع البنكي إلى السيولة. فكلما ارتفع حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة، ازدادت الحاجة إلى تدخلات البنك المركزي من أجل توفير السيولة اللازمة للنظام البنكي.

ويشير بنك المغرب إلى أن هذه الدينامية ستستمر خلال السنوات المقبلة، إذ يتوقع أن تواصل الأوراق والقطع النقدية المتداولة ارتفاعها بقوة، بنسبة تقدر بـ15,2 في المائة خلال 2026، قبل أن تتباطأ إلى 9,2 في المائة سنة 2027، بعدما سجلت نموا بنسبة 15,5 في المائة خلال 2025.

وتأتي هذه التوقعات في وقت يرتقب فيه أن ترتفع حاجيات البنوك من السيولة إلى حوالي 146 مليار درهم في نهاية سنة 2026، ثم إلى 168,2 مليار درهم خلال 2027. ويعكس ذلك، وفق المعطيات النقدية، استمرار الضغط الذي يفرضه الطلب على النقد المتداول على توازنات السيولة داخل القطاع البنكي.

ولا يقتصر التطور على النقد المتداول، إذ سجلت الودائع تحت الطلب بدورها نموا بنسبة 11,2 في المائة خلال يوليوز، بينما تراجعت الودائع لأجل بنسبة 2,2 في المائة. أما الكتلة النقدية M3، فقد تباطأت وتيرة نموها السنوي بشكل طفيف، من 11,7 في المائة خلال الفصل الثاني إلى 11,2 في المائة في يوليوز.

ويبرز من خلال هذه المؤشرات أن “الكاش” يواصل الاحتفاظ بمكانة قوية في الدورة الاقتصادية، رغم توسع استعمال وسائل الأداء الإلكترونية وتطور الخدمات البنكية والرقمية. ويضع ذلك مسألة انتقال الأموال بين القطاع البنكي والتداول النقدي المباشر ضمن أبرز القضايا التي تفرض نفسها على السياسة النقدية.

ويتزامن استمرار نمو “الكاش” مع ارتفاع وتيرة الائتمان البنكي، إذ انتقل معدل نموه السنوي من 9,8 في المائة خلال الفصل الثاني إلى 10,1 في المائة في يوليوز. وساهمت المقاولات الخاصة بشكل أساسي في هذا التطور، بعدما ارتفعت القروض الموجهة إليها بنسبة 11 في المائة، مقابل 8,1 في المائة خلال الفصل السابق.

وسجلت تسهيلات الخزينة نموا بنسبة 11,3 في المائة، بينما قفزت قروض التجهيز بنسبة 18 في المائة، وهو ما يعكس استمرار الطلب على التمويل، خصوصا من جانب المقاولات.

كما توسعت القروض الموجهة إلى الجماعات الترابية، في ارتباط بمشاريع استثمارية كبرى، من بينها مشاريع تحلية مياه البحر وتوسيع خط القطار فائق السرعة، في حين تباطأ تمويل المقاولات العمومية من 15,9 في المائة إلى 3,1 في المائة.

أما قروض الأفراد، فقد ارتفعت بنسبة 3,6 في المائة خلال يوليوز، مع نمو قروض السكن بـ2,2 في المائة وقروض الاستهلاك بـ5,2 في المائة.

وفي مواجهة هذه الدينامية، تراجع عجز سيولة البنوك نسبيا خلال يوليوز وغشت إلى متوسط 129 مليار درهم، مقابل 138,6 مليار درهم خلال الفصل الثاني. وبالتوازي مع ذلك، خفض بنك المغرب حجم ضخ السيولة إلى 146,8 مليار درهم، مقابل 158,7 مليار درهم في الفصل الثاني.

غير أن التوقعات المستقبلية تعيد مسألة “الكاش” إلى الواجهة، باعتبارها أحد العوامل الرئيسية التي ستواصل الضغط على حاجيات السيولة. فبنك المغرب يتوقع استمرار ارتفاع الأوراق والقطع النقدية المتداولة، في وقت ينتظر أن يتسارع نمو الائتمان البنكي إلى 8,1 في المائة خلال 2026، قبل أن يتباطأ إلى 6,1 في المائة في 2027.

وبذلك، لا يبدو أن تحدي السيولة يرتبط فقط بحجم التمويلات التي تحتاجها المقاولات والأسر، بل يرتبط أيضا بكمية النقد التي تخرج إلى التداول وتظل خارج النظام البنكي. وبينما يتوقع بنك المغرب ارتفاع حاجيات البنوك إلى السيولة خلال السنتين المقبلتين، يظل استمرار نمو “الكاش” أحد أبرز المؤشرات التي تستدعي المتابعة في المشهد النقدي والمالي المغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.