تحول الزواج من “سنة حياة” إلى “مشروع مؤجل”: بين استحقاقات الاقتصاد وتغير المعايير الاجتماعية

0

بقلم: فاطمة الزهراء قلو

لم يعد تأخر سن الزواج أو عزوف الشباب عنه مجرد انطباعات فردية تتداولها الأسر، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية بارزة تشهدها المجتمعات العربية. وتكشف المعطيات الرسمية الصادرة عن مؤسسات الإحصاء عن تحول بنيوي عميق في مؤسسة الأسرة؛ إذ ارتفع متوسط سن الزواج الأول ليبلغ نحو 33 سنة لدى الرجال و26 سنة لدى النساء، بعدما كان متوسط السن يقل عن ذلك بكثير في عقود سابقة. وتطرح هذه التحولات سؤالاً جوهرياً حول العوامل التي جعلت الاستقرار الأسري خطوة مؤجلة في حياة الشباب.

لا يمكن فصل تراجع الإقبال على الزواج عن التحولات الاقتصادية الراهنة. ففي ظل ارتفاع تكاليف السكن وتجهيز البيوت، وتزايد متطلبات الحياة اليومية، أصبحت خطوة الزواج تتطلب إمكانيات مادية تفوق قدرة قطاع واسع من الشباب في مقتبل حياتهم المهنية. هذا الوضع يدفع الكثيرين إلى إعطاء الأولوية للتحصيل العلمي والتأمين المادي للذات، فتتأجل فكرة الاستقرار حتى إشعار آخر.

إلى جانب الجانب المادي، لعب التطور السريع لوسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح الرقمي دوراً كبيراً في تغيير تمثلات الشباب لمفهوم السكن والمسؤولية الأسرية. فقد أسهمت بعض النماذج المستوردة وسلوكيات الاستهلاك الفوري عبر الشاشات في تهميش قيم الصبر والمشاركة، واستبدالها بنظرة سطحية أو متطلبات خيالية يصعب تحصيلها في الواقع. وقد تسبب هذا النمط في إضعاف الثقة المتبادلة وتوسيع الفجوة بين تطلعات الشباب وما يتيحه الواقع المعيش.

وفي خضم هذه التحولات، تبرز أزمة البحث عن “الشريك الملائم”، حيث تتزايد الخشية من الإخفاق الأسري وتفكك العلاقات. فتبحث الفتيات اللاتي يحرصن على القيم الأصيلة عن زوج يتحلى بالمسؤولية والوفاء والخلق الرفيع، في حين يبحث الشباب عن زوجة صالحة تعين على صعاب الحياة وتأسيس أسرة متماسكة. إلا أن طغيان المظاهر الشكلية وارتفاع سقف الشروط الفردية يحولان في كثير من الأحيان دون تلاقي هذه الإرادات السليمة، مما يغذي مخاوف الدخول في تجارب غير مأمونة العواقب.

إن علاج ظاهرة العزوف وتأخر الزواج لا يتطلب فقط الوعي الأخلاقي والقيمي بالرجوع إلى المقاصد السامية للزواج القائمة على التراحم والمودة، بل يستلزم أيضاً تضافر الجهود المجتمعية والمؤسساتية لتخفيف الأعباء المادية عن كاهل المقبلين على الحياة الزوجية. ويبقى الرهان الأساسي قائماً على إعادة بناء الثقة بين الشباب وتيسير سبل بناء الأسرة الصالحة، لتظل مؤسسة الزواج ملاذاً آمناً للأجيال القادمة، بعيداً عن صخب المظاهر والاستهلاك الزائف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.