حملة تحذيرات من الانحراف التشريعي والتمسك بحق المجتمع في محاربة الفساد

0

دشنت الجمعية المغربية لحماية المال العام، حملة ترافعية جديدة تستهدف التصدي لمحاولات تقييد دور المجتمع المدني في مكافحة الفساد، وذلك بعقد لقاء رسمي مع مؤسسة وسيط المملكة، في سياق تصاعد المخاوف بشأن التوجهات التشريعية الأخيرة للحكومة المغربية، حيث اعتبر محمد الغلوسي، رئيس الجمعية ، ان اللقاء يشكل فرصة لعرض مجموعة من التحديات التي تواجهها جهود محاربة الفساد في المغرب، وعلى رأسها ما وصفه بـ”الانحراف التشريعي” الذي تضمنه مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية، ولا سيما المادتين 3 و7، اللتين تعتبرهما الجمعية تهديداً مباشراً لدور الجمعيات الحقوقية والمجتمع في التبليغ عن الجرائم المالية.
وفي تصريحاته خلال اللقاء، أكد الغلوسي أن المادتين المذكورتين ترومان، في جوهرهما، إلى تجريد المواطنين وجمعيات المجتمع المدني من سلطة التبليغ عن جرائم الفساد ونهب المال العام، وهو ما يشكل، حسب قوله، “إفراغاً للسياسة الجنائية من محتواها المجتمعي، ومساً خطيراً باستقلالية النيابة العامة، وخرقاً صريحاً لمبدأ المساواة أمام القانون الذي يكفله الفصل السادس من الدستور”.
وحذر الغلوسي من أن هذا التوجه يُمهّد الطريق لتحصين الفساد وتقنين الإفلات من العقاب، من خلال تحويل التشريع إلى أداة لحماية فئة معينة من المساءلة، في وقت يطالب فيه المجتمع المغربي بتعزيز الشفافية والمحاسبة و اللقاء لم يخلُ من تسليط الضوء على ما سماه الغلوسي “التعامل الانتقائي والمزاجي” للسلطات مع الجمعيات الحقوقية، من خلال حرمانها من وصل الإيداع، في خرق واضح لقانون تأسيس الجمعيات والدستور المغربي. وأوضح أن هذا السلوك يكرّس واقعاً غير ديمقراطي ويشكل تضييقاً على الفاعلين المدنيين الذين يضطلعون بأدوار حيوية في فضح الفساد وتعزيز الحكامة.
وفي هذا الإطار، شدد رئيس الجمعية على أن الشكايات التي تقدمها هي وسيلة قانونية ومجتمعية هدفها الإسهام في تخليق الحياة العامة، وليست موجهة ضد أشخاص بعينهم أو بدوافع انتقامية، بل تستند إلى معطيات وشبهات يتم رفعها للسلطات القضائية المختصة للنظر فيها كردّ مباشر على ما اعتبرته الجمعية “تراجعات خطيرة”، أعلنت عن إطلاق برنامج نضالي تصعيدي، يتضمن وقفة احتجاجية وطنية أمام مبنى البرلمان يوم 16 يونيو الجاري، احتجاجاً على ما وصفته بغياب الإرادة السياسية في التصدي الجدي للفساد، ورفضاً لمحاولات تحجيم دور المجتمع المدني في المراقبة والمساءلة.
كما باشرت الجمعية حملة ترافعية تشمل مراسلة مختلف المؤسسات الدستورية والأحزاب السياسية، سواء في الأغلبية أو المعارضة، بهدف فتح حوار مسؤول حول مستقبل مكافحة الفساد بالمغرب، وتوضيح مخاطر السياسات التشريعية المقترحة على المسار الديمقراطي ودولة القانون.
في بلاغها الرسمي، استعرضت الجمعية أيضاً ما أسمته بـ”تغول الفساد في مؤسسات الدولة”، مستشهدة بما بات يعرف بـ”فضيحة شبكة الفساد بجامعة ابن زهر بأكادير”، والمتعلقة بشبهات تزوير شهادات جامعية مكنت أصحابها من الوصول إلى مناصب عمومية ومنتخبة. واعتبرت الجمعية أن هذه الواقعة تمثل ضربة قاصمة لمصداقية النظام الأكاديمي، وتهديداً مباشراً لمبدأ تكافؤ الفرص وجودة التعليم.
وطالبت الجمعية بفتح تحقيقات قضائية موسعة تشمل كافة الأطراف المتورطة، وإطلاق مساطر قانونية لمتابعة كل من استفاد من هذه الشبكة، بما في ذلك تهم تتعلق بغسل الأموال، معتبرة أن مثل هذه الملفات لا يمكن معالجتها إلا بإرادة سياسية قوية واستقلال فعلي للنيابة العامة.
في ختام بلاغها، وجهت الجمعية المغربية لحماية المال العام نداءً إلى كافة القوى الحية في البلاد—من أحزاب سياسية، ونقابات، ومنظمات المجتمع المدني—للانخراط الجاد والمسؤول في معركة حماية المال العام ومواجهة الفساد المتجذر في بعض مفاصل الدولة، وأكدت الجمعية أن مواجهة الفساد ليست معركة نخبوية ولا حكراً على مؤسسات معينة، بل مسؤولية جماعية تتطلب تظافر جهود الجميع لبناء مغرب ديمقراطي، تسوده الشفافية والعدالة وسيادة القانون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.