المبادرة المدنية: مشروع المسطرة الجنائية ضرب للحقوق والحريات
أعادت المبادرة المدنية للترافع ضد التعديلات المقترحة على المادتين 3 و7 من مشروع المسطرة الجنائية تأكيد رفضها القاطع لما وصفته بالتراجعات الخطيرة التي جاءت بها الحكومة وصادق عليها البرلمان، معتبرة أن هذه التعديلات تمثل انتكاسة حقيقية لمنظومة المحاكمة العادلة وللحقوق والحريات، وانحرافاً تشريعياً خطيراً عن المسار الدستوري والدولي الذي التزم به المغرب.
وأفادت المبادرة في بلاغ صادر عنها أن المشروع الذي اقترحته السلطة التنفيذية وتبنته السلطة التشريعية يشكل تراجعاً واضحاً عن أدوار المجتمع المدني، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الفساد وحماية المال العام والتصدي للرشوة ونهب الموارد العمومية، معتبرة أن التعديلات المصادق عليها تهدف إلى سلب الجمعيات أدوارها الدستورية في التبليغ والمطالبة بفتح تحقيقات قضائية بشأن شبهات الفساد، وهو ما اعتبرته تفريغاً لمفهوم الرقابة الشعبية من محتواه وضرباً في العمق لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
المبادرة أعربت عن قلقها البالغ من ضعف أداء المؤسسة التشريعية التي لم تؤد دورها الرقابي والتشريعي كما ينبغي، ولم تتصد بما يكفي لهذا الانحراف الخطير. وذهبت أبعد من ذلك حينما وصفت المصادقة على هذه التعديلات بالتواطؤ المكشوف مع الحكومة ضد المجتمع المدني، مشيرة إلى أن الحكومة تسوق لمغالطة خطيرة مفادها أن هذه التعديلات تحمي النواب والمسؤولين من ما تعتبره “ابتزازاً” من طرف بعض الجمعيات، وهو ما تنفيه المبادرة بشكل قاطع.
واستنكرت المبادرة عدم تجاوب وزير العدل مع طلب اللقاء الذي تقدمت به مكوناتها خلال مراحل النقاش العام والتفصيلي داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، معتبرة أن هذا الإقصاء يندرج في سياق تهميش المجتمع المدني وإبعاده عن المشاركة في صياغة السياسات العمومية ذات الصلة بمجال العدالة.
وأكدت أنها ستواصل الترافع ضد هذه التعديلات من خلال توجيه مذكرة مفصلة إلى المحكمة الدستورية بعد المصادقة النهائية على المشروع، كما ستوجه شكايات وطلبات إلى كل من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، والمجلس الاستشاري الإفريقي المنبثق عن اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمكافحة الفساد. كما أعلنت عن تنظيم مائدة مستديرة ستدعو لحضورها ممثلي الفرق البرلمانية والمركزيات النقابية والأحزاب السياسية.
في سياق متصل، توقفت المبادرة عند استدعاء رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، للمثول أمام المحكمة يوم 18 يوليوز الجاري، معتبرة أن هذا الاستدعاء يندرج في إطار حملة ممنهجة للتضييق على الفاعلين الحقوقيين ومكافحي الفساد، داعية إلى فتح تحقيقات جادة في الاختلالات التي طالت بناء المحطة الطرقية الجديدة بمراكش، والتي كلفت 12 مليار سنتيم ولا تزال مغلقة رغم انتهاء الأشغال بها منذ فترة طويلة.
من جانبه، انتقد المحامي والحقوقي محمد شماعو بشدة ما وصفه بـ”المسار التشريعي الأرعن” الذي مر منه مشروع المسطرة الجنائية، مشيراً إلى أن المغرب يعيش لحظة نكوص حقيقي في مسار العدالة، حيث تم التراجع عن مجموعة من المكتسبات التي تحققت منذ تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة ودستور 2011.
و أشار إلى أن مشروع المسطرة الجنائية الحالي يتجاهل كلياً التصورات المتراكمة والمقترحات التي جاءت بها مسودة المشروع التي تم إعدادها سابقاً، موضحاً أن النص الجديد يقصي الدفاع من المراحل الأساسية للمحاكمة، ويفتح المجال لتأخير الاتصال بالمحامي، ويُجيز اقتحام مكاتب المحامين، ويمنع تصوير المحاضر قبل الاستنطاق. كما انتقد التوسع في صلاحيات النيابة العامة التي أصبحت تمتلك سلطة تكييف الجرائم دون إمكانية مراجعتها قضائياً.
وشدد شماعو على أن هذه التعديلات تكرس منظومة غير سليمة وتعيد البلاد خطوات إلى الوراء، متسائلاً عن الغاية من تمرير مسطرة جنائية “عمياء وعرجاء”، وهل جاء هذا الإصلاح فقط لتضييق الخناق على مهنة المحاماة وعلى الجمعيات الحقوقية؟
في السياق ذاته، عبر عزيز غالي، الرئيس السابق للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، عن قلقه من التراجعات الحقوقية التي يشهدها المغرب، خصوصاً التضييق على منح صفة المنفعة العامة للجمعيات. وأكد أن الحكومة الحالية تهيئ بيئة مؤسساتية تُسهل انتشار الفساد، مشيراً إلى سحب قانون الإثراء غير المشروع وعدم إصدار قانون تضارب المصالح.
واعتبر غالي أن الجمعيات العاملة في مجال محاربة الفساد تُتهم زوراً بالابتزاز، في حين أن ثلث المتابعات في قضايا الفساد جاءت بناء على عمل هذه الجمعيات. وانتقد بشدة تصريحات وزير العدل، معتبراً إياها محاولة لشرعنة الفساد السياسي عبر تبرير حماية المتورطين تحت ذريعة تشجيع المشاركة في الانتخابات.