المجلس الوطني لحقوق الإنسان يسجل غياب أي تجاوزات أو انتهاكات تمس الحق في التجمع السلمي

0

شهدت مدن مغربية عدة خلال الأيام الماضية موجة احتجاجات شبابية غير مسبوقة، اتسمت بالسلمية والانضباط، في مشهدٍ وصفه المراقبون بأنه يعكس نضجًا حقوقيًا متقدمًا لدى كلٍّ من المحتجين والسلطات، فبعد أسابيع من الدعوات التي أطلقتها مجموعات شبابية على منصات التواصل الاجتماعي تحت اسم “جيل زد 212”، خرج آلاف المغاربة في وقفات ومسيرات عبر مختلف الجهات، للمطالبة بإصلاحات اجتماعية واقتصادية، في مقدمتها تحسين الخدمات الصحية والتعليمية وضمان العدالة الاجتماعية.
وفي خضم هذا الحراك، أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان بيانًا رسميًا يوم السبت أكد فيه أن الاحتجاجات مرت في أجواء سلمية تمامًا، دون تسجيل أي تجاوزات أو انتهاكات تمس الحق في التجمع السلمي، مشيدًا في الوقت نفسه بما سماه “التأويل الحقوقي الناضج للحق في التظاهر” الذي جسده كل من المواطنين والسلطات العمومية.
وجاء في بيان المجلس أن “الاحتجاجات التي شهدتها مختلف الجهات خلال اليومين الماضيين مرت في أجواء سلمية، دون تسجيل أي سلوك يمس بالحق في التجمع السلمي”، مضيفًا أن نجاح هذه المظاهرات يعود إلى التفاعل الإيجابي بين المحتجين والقوات العمومية، وهو ما اعتبره نموذجًا لما يجب أن تكون عليه ممارسة الحقوق والحريات في دولة تسير بثبات على درب الديمقراطية.
كما أبرز البيان أن هذا التوازن بين حفظ النظام العام وضمان ممارسة الحق في التظاهر “جعل من هذه المظاهرات ممارسة فضلى للطابع السلمي للتجمعات”، مشيرًا إلى أن الأشكال الجديدة للتعبير الرقمي التي صاحبت هذا الحراك تشكل “مكتسبًا ديمقراطيًا وحقوقيًا يعكس تطور وعي الشباب المغربي”.
وفي هذا السياق، أوضح المجلس أنه قام منذ انطلاق الدعوات إلى التظاهر بتعبئة فرقه الجهوية والوطنية من أجل رصد وتوثيق مسار الاحتجاجات، سواء في الميدان أو عبر الفضاء الرقمي، في إطار مقاربة استباقية تسعى لضمان حماية الحقوق والحريات الأساسية.
و تُعتبر حركة “جيل زد 212” – التي استلهمت اسمها من رمز الهاتف الدولي للمغرب – ظاهرة جديدة في المشهد الاجتماعي والسياسي المغربي انطلقت من حادث مأساوي في مستشفى الحسن الثاني بأكادير، حيث توفي شاب في ظروف وُصفت بالمأساوية، ما أثار موجة غضب رقمية تحولت بسرعة إلى تعبئة ميدانية واسعة.
وسرعان ما انتقلت شرارة الغضب إلى مدن أخرى مثل القليعة ووجدة، قبل أن تمتد إلى مناطق مختلفة من المملكة، لتشكل بذلك أوسع حراك شبابي منذ حركة 20 فبراير عام 2011.
ورغم أن الاحتجاجات الأولى أسفرت عن سقوط أربعة قتلى وفق بلاغات رسمية للنيابة العامة، فإن التطور السلمي اللاحق للحركة أعاد الثقة في قدرة المؤسسات والمجتمع على إدارة الخلافات بشكل حضاري ومسؤول.
و يرى متتبعون أن بيان المجلس الوطني لحقوق الإنسان لم يكن مجرد توثيق لوضع ميداني، بل رسالة سياسية وحقوقية تعكس رغبة رسمية في تثبيت خيار الحوار والإنصات بدل المقاربة الأمنية.
ففي الوقت الذي ما تزال فيه البلاد تعيش على وقع دعوات جديدة للتظاهر، يؤكد المجلس أن المشهد المغربي يقدم اليوم نموذجًا للتفاعل السلمي بين السلطة والمجتمع، بعيدًا عن منطق الصدام أو القمع.
ويذهب بعض المحللين إلى أن هذه المقاربة الجديدة تكرس “ثقافة الثقة المتبادلة”، خاصة في ظل تصاعد دور الوسائط الرقمية كمنصات للتعبير عن الرأي وتعبئة الرأي العام.
إذ بات واضحًا أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح فضاءً للنقاش العمومي وصنع القرار الرمزي، ما يستدعي مقاربة حقوقية شمولية تحمي حرية التعبير وتضمن الأمن الرقمي للمواطنين.
ومنذ اندلاع أولى شرارات هذا الحراك، أعلن المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن تعبئة فورية لفرقه الجهوية في أكادير والجهات الأخرى المعنية، لتوثيق الاحتجاجات والتفاعل بين المتظاهرين والقوات العمومية.
وأكدت رئيسة المجلس، أمينة بوعياش، في تصريحات سابقة أن المجلس يتعامل مع هذه التحركات في إطار “نهج استباقي لحماية الحقوق وضمان ممارستها في إطار القانون”.
كما دعا المجلس إلى ضرورة الاستفادة من التجارب السابقة في تدبير الحركات الاحتجاجية، مع التأكيد على أن الاحتجاج السلمي حق دستوري لا يمكن المساس به، وأن الحفاظ على سلميته يظل مسؤولية جماعية مشتركة بين الدولة والمجتمع.
و تكشف هذه الأحداث المتسارعة عن تحول عميق في الوعي الجمعي المغربي، خاصة لدى الأجيال الشابة التي لم تعش مرحلة الحركات السياسية التقليدية، لكنها تتقن لغة العالم الرقمي وتطالب بإصلاحات ملموسة تمس حياتها اليومية.
وبينما يرى البعض أن هذه الدينامية قد تكون بداية “تعاقد اجتماعي جديد” بين الدولة والمجتمع، فإن آخرين يحذرون من مخاطر الفجوة الرقمية والسياسية إذا لم تُترجم هذه المطالب إلى سياسات واقعية.
في كل الأحوال، يبدو أن تجربة “جيل زد 212” تمثل اختبارًا حقيقيًا للنموذج المغربي في تدبير الحقوق والحريات، خاصة في ظل إشادة المجلس الوطني لحقوق الإنسان بسلمية المظاهرات وانضباط المتظاهرين، وإذا ما استمر هذا المسار في منحاه الإيجابي، فإن المغرب قد يكون بصدد تأسيس نموذج متفرد في المنطقة في إدارة الحركات الاحتجاجية بآليات الحوار والاحترام المتبادل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.