المغرب من المسيرة الخضراء إلى القرار الأممي 2025 الدبلوماسية الملكية الهادئة تحصد ثمار نصف قرن من الحكمة والرؤية
د. احمد عبد الله، باحث في التدبير والتنمية الترابية
مقدمة افتتاحية
يشكّل هذا المقال الجزء الأول من سلسلة فكرية وتحليلية تحت عنوان » الجهاد الأكبر: رؤية ملكية لبناء المغرب الحديث«، وهي سلسلة ترصد التحولات العميقة في الفكر السياسي والتنموي المغربي تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس، انطلاقًا من المفهوم التاريخي الذي أرساه المغفور له محمد الخامس حين أعلن أن ”عهد الجهاد الأصغر قد انتهى، وبدأ عهد الجهاد الأكبر “.
هذه السلسلة تواكب في حلقاتها المقبلة مسار الدبلوماسية المغربية، التنمية الترابية، السيادة الاقتصادية، وبناء الإنسان المغربي الجديد، باعتبارها أبعادًا متكاملة لمشروع وطني متجدد، يؤسس لنهضة مغربية متوازنة بين الأصالة والتحديث.
مقدّمة
منذ ” المسيرة الخضراء“ سنة 1975، والمغرب يخوض واحدة من أطول المعارك الدبلوماسية في التاريخ الحديث، لكن بعقلانية ملكية وحكمة استراتيجية متميزة.
وجاء قرار مجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2025 ليؤكد أن النهج المغربي في معالجة ملف الصحراء الغربية هو المسار الواقعي والوحيد القابل للحياة.
هذا القرار لم يكن مفاجئًا، بل تتويجًا لخمسين عامًا من العمل المتدرج والممنهج، قاده جلالة الملك محمد السادس بواقعية تجمع بين الثوابت الوطنية والانفتاح الدولي.
من المسيرة الخضراء إلى مبادرة الحكم الذاتي
حين دعا الملك الراحل الحسن الثاني إلى المسيرة الخضراء سنة 1975، كانت الرسالة واضحة: استرجاع الأقاليم الجنوبية بوسائل سلمية وشعبية. لكن المرحلة الثانية جاءت مع الملك محمد السادس، الذي أعاد صياغة الملف ضمن منظور تنموي وإقليمي جديد، وجعل من الدبلوماسية المغربية مدرسة في التوازن والحكمة.
وفي عام 2007، قدّم المغرب إلى الأمم المتحدة مقترح الحكم الذاتي، الذي وصفته الأمم المتحدة بأنه ”جاد وواقعي وذو مصداقية “. منذ ذلك التاريخ، بدأت الدولة المغربية تبني قناعتها على الميدان: تنمية شاملة في الصحراء المغربية و بالخصوص في العيون والداخلة، واستثمارات ضخمة، واندماج مؤسساتي للأقاليم الجنوبية في النسيج الوطني، إلى أن أصبحت الواقعية المغربية أقوى من أي شعارٍ نظري.
القرار الأممي 2025: لحظة التتويج الدبلوماسي
صوّت مجلس الأمن الدولي يوم 31 أكتوبر 2025 لصالح قرارٍ يدعم مقترح الحكم الذاتي المغربي كمرجعية أساسية للحلّ السياسي في الصحراء الغربية. وجاء التصويت بـ 11 صوتًا مؤيدًا، دون أي اعتراض، مع امتناع روسيا والصين وباكستان، في حين امتنعت الجزائر عن المشاركة.
القرار الذي قدّمته الولايات المتحدة ودعمه كلّ من فرنسا وبريطانيا اعتبر أن ”الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل الحلّ الواقعي الوحيد القابل للتطبيق.“ كما جدد ولاية بعثة الأمم المتحدة (المينورسو) لعامٍ إضافي، لكنها باتت اليوم تواكب مفاوضات سياسية على أساس جديد لا يتحدث عن الاستفتاء بل عن المشاركة والتنمية.
إشارات ملكية في لحظة تاريخية
في أعقاب اعتماد القرار، وجّه جلالة الملك محمد السادس خطابًا إلى الأمة، حمل في طيّاته ملامح مرحلة جديدة من الثقة الدبلوماسية والسيادة السياسية.
قال جلالته:
»بعد خمسين عامًا من التضحيات، وبفضل عون الله، نحن نبدأ فصلاً جديدًا في مسار تأكيد مغربة الصحراء، وإغلاق هذا النزاع المفتعل إلى الأبد، في إطار حلّ توافقي يستند إلى مبادرة الحكم الذاتي«.
»نسعى لحلّ تفاوضي كريم لا منتصر فيه ولا منكسر، تسود فيه روح الشراكة والإنصاف«.
»أجدد دعواتي للحوار الأخوي مع دولة الجزائر الشقيقة، لأن مغرب الأمن والاستقرار لا يكتمل دون بيئة مغاربية متضامنة«.
هذا الخطاب، كما لاحظ اغلب المتتبعين الدوليين لهذا الملف المعمر، جاء بصوت هادئ لكنه محمّل بالقوة الرمزية:
- تأكيد على أن المغرب ينتصر بالسياسة لا بالصدام.
- الدعوة للحوار مع الجزائر تُبرز أن القيادة المغربية لا ترى في الانتصار نهاية الصراع بل بداية الاستقرار الإقليمي.
- استعمال عبارة » حل كريم لا منتصر فيه ولا منكسر« يكرّس فلسفة الملك في الدبلوماسية الأخلاقية والإنسانية، التي تمزج بين الحزم والتسامح.
دلالات الخطاب الملكي في الذاكرة الوطنية والدبلوماسية المغربية
يُعيد خطاب جلالة الملك محمد السادس في أعقاب القرار الأممي إحياء روح ” المسيرة الخضراء“، ليس كشكل تعبويّ، بل قيمة رمزية تربط الأجيال المغربية بمسار السيادة. فالملك، كما الحسن الثاني من قبله، يوظف اللغة الوطنية لتوحيد الإرادة الجماعية، ولغة الحوار لبناء الجسور الإقليمية.
على المستوى التاريخي، يُبرز الخطاب كيف تطورت الدبلوماسية المغربية من دبلوماسية الدفاع إلى دبلوماسية البناء:
من المطالبة بالحق إلى ممارسة السيادة عبر التنمية.
من لغة الشعارات إلى منطق البرامج والمؤسسات.
أما على المستوى السياسي، فقد أعاد الملك في خطابه تأكيد أن الشرعية الدولية لا تُنال إلا بالثقة في الذات، وأن «مغربة الصحراء» ليست فقط انتصارًا قانونيًا، بل تحقّق حضاري وثقافي يُعيد وصل الأقاليم الجنوبية بجذورها المغربية والإفريقية والعربية.
هكذا يغدو الخطاب الملكي وثيقة من وثائق الذاكرة الوطنية الحديثة، ومرجعًا لفهم التحول العميق في مفهوم الدولة المغربية: دولة تستمد قوتها من تاريخها، وتوجّه مستقبلها بعقلها.
أصداء وتحليلات من كبريات الصحف العالمية
Le Monde )فرنسا(
في مقال بعنوان» محمد السادس، ملك الدبلوماسية الكبرى«، أشادت الصحيفة بقدرة الملك على تحويل السياسة الخارجية إلى فنٍّ هادئ لبناء النفوذ المغربي، معتبرة أن الرباط “نقلت النقاش من منطق النزاع إلى منطق الحلّ والتنمية المشتركة”.
The Guardian )بريطانيا (
رأت أن القرار الأممي “أقوى دعم للمقترح المغربي منذ طرحه سنة 2007″، وأشارت إلى أن” بريطانيا غيّرت موقفها التقليدي وأعلنت تأييدها للحكم الذاتي المغربي باعتباره الحلّ الأكثر واقعية“.
Reuters) وAP News الولايات المتحدة (
أبرزتا أن التصويت الأممي يمثل” تحولًا جذريًا في مقاربة الأمم المتحدة“، وأن التحالف الأميركي-الأوروبي-الإفريقي الداعم للمغرب سيخلق ”دينامية اقتصادية غير مسبوقة في الأقاليم الجنوبية“.
Financial Times
كتبت أن “المغرب أرسى نموذجًا فريدًا في شمال إفريقيا، يمزج بين التنمية الاقتصادية والدبلوماسية المتوازنة”، مؤكدة أن ”الرباط أصبحت اليوم مركز استقرار في منطقة تعاني من الاضطراب.“
Washington Institute
أشار المعهد الأميركي إلى أن” سياسة الملك محمد السادس الخارجية مثال على الدبلوماسية الاستباقية الهادئة، التي تربط بين الأمن الإقليمي والتنمية“، معتبرًا أن القرار الأممي ”كرّس هذا النهج كإطار مرجعي في الأمم المتحدة.
لكي لا نختم :
بين صمت الدبلوماسية وثبات الموقف، استطاع المغرب أن يُقنع العالم بأن الشرعية التاريخية لا تتناقض مع الواقعية السياسية. وبقيادة جلالة الملك محمد السادس، تحوّل ملف الصحراء من نزاعٍ إقليمي إلى قصة نجاحٍ دبلوماسيٍّ مغربيٍّ يحتذى.
وإذا كانت المسيرة الخضراء قد جسّدت في عهد الملك الحسن الثاني رمز الجهاد الوطني من أجل الوحدة الترابية، فإن جلالة الملك محمد السادس يجسّد اليوم مرحلة الجهاد الأكبر — كما وصفها المغفور له محمد الخامس — أي جهاد البناء والتنمية والتماسك الترابي.
إن المغرب، وهو يدخل مرحلة ما بعد القرار الأممي، يُواصل هذا ” الجهاد الأكبر“ في صورته الحديثة:
- جهاد التنمية عبر مشاريع الأقاليم الجنوبية النموذجية.
- جهاد الحكامة الرشيدة من أجل العدالة المجالية.
- جهاد الانفتاح الإفريقي والدولي لترسيخ مكانته كشريك سلام واستقرار.
وهكذا يكتمل المعنى التاريخي المتوارث في المدرسة الملكية المغربية:
من محمد الخامس الذي حرّر الوطن، إلى الحسن الثاني الذي وحّد التراب، إلى محمد السادس الذي يُعمّر الأرض ويبني الإنسان.
إن قرار مجلس الأمن لعام 2025 ليس نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة جديدة من الجهاد الأكبر من أجل التنمية والسيادة والكرامة الوطنية، جهادٍ عنوانه الثقة في المستقبل، والإيمان بأن الإنجازات العظمى تبنى بصبر الشعوب ورؤية الملوك.