تصاعد الاحتجاجات في قطاعات التعليم والصحة والجماعات

0

 

تشهد الساحة الاجتماعية بالمغرب موجة جديدة من الاحتجاجات والاضطرابات المهنية، تعكس حجم التوتر المتزايد بين الحكومة ومختلف فئات الموظفين في القطاعات العمومية. فبعد أسابيع من الإضرابات التي شلت قطاعي التعليم والصحة، أعلنت الجامعة الوطنية لموظفي الجماعات الترابية والتدبير المفوض عن برنامج نضالي تصعيدي يتضمن اعتصاماً وطنياً وإضراباً عاماً، احتجاجاً على ما وصفته بـ”تماطل وزارة الداخلية في معالجة الملفات العالقة للشغيلة الجماعية”.
و كشفت الجامعة الوطنية لموظفي الجماعات الترابية، التابعة للاتحاد المغربي للشغل، عن دخول أعضائها في اعتصام يوم الخميس 20 نونبر الجاري أمام مقر المديرية العامة للجماعات الترابية بالرباط، متبوعاً بـ إضراب وطني لمدة يومين، الأربعاء والخميس 26 و27 من الشهر ذاته، يشمل مختلف الجماعات والمقاطعات الترابية عبر التراب الوطني.
وأوضحت النقابة أن هذه الخطوة جاءت بعد عدم التزام وزارة الداخلية بوعودها السابقة بالعودة إلى طاولة الحوار، والتفاوض حول الوضعيات المهنية والاجتماعية للموظفين والعاملين في القطاع، خصوصاً فئات أجراء التدبير المفوض، وعمال الإنعاش الوطني، والعمال العرضيين، الذين يعيشون أوضاعاً مهنية هشّة منذ سنوات دون حلول ملموسة.

وانتقدت النقابة ما وصفته بـ”التجاهل الحكومي المقصود”، مؤكدة أن مشروع النظام الأساسي الجديد لموظفي الجماعات الترابية، الذي تم الترويج له باعتباره إصلاحاً شاملاً، “جاء خالياً من أي مكتسبات أو تحفيزات حقيقية للعاملين”، مشيرة إلى أنه “مرفوض من قبل الأغلبية الساحقة من شغيلة الجماعات الترابية”.

كما طالبت الجامعة وزارة الداخلية بـ”تفعيل المقاربة التشاركية الحقيقية”، و”تجنب الانفراد بالقرارات التي تمس مصير آلاف الموظفين”، داعية إلى فتح حوار جاد ومسؤول حول المشروع قبل عرضه على مسطرة المصادقة والتشريع.

في الوقت الذي تتصاعد فيه الاحتجاجات في قطاع الجماعات الترابية، يعيش قطاع التعليم بدوره حالة من التوتر المستمر، بسبب تأخر الحكومة في إخراج النظام الأساسي لموظفي التربية الوطنية، وتنامي الشعور بعدم الثقة لدى الأساتذة تجاه وزارة التربية الوطنية. وقد أعلنت التنسيقيات التعليمية عن استئناف الإضرابات والوقفات الاحتجاجية، رفضاً لما وصفوه بـ”تماطل الحكومة في الاستجابة لمطالبهم المشروعة”، وعلى رأسها الترقية، والتعويضات، وتسوية وضعيات الأساتذة أطر الأكاديميات.

أما في قطاع الصحة، فقد نظمت النقابات الصحية سلسلة من الوقفات الاحتجاجية والإضرابات الجهوية والوطنية، احتجاجاً على ما تعتبره “اختلالات هيكلية في النظام الصحي”، وضعف التحفيزات، وتدهور ظروف العمل، وغياب إنصاف فعلي للأطباء والممرضين والتقنيين في التصنيف والترقي.

ويرى متتبعون أن تزامن هذه الاحتجاجات في قطاعات حيوية يعكس “تراجع الثقة” بين الحكومة والمركزيات النقابية، خاصة في ظل شعور واسع داخل الأوساط النقابية بأن الحوار الاجتماعي “تراجع إلى مستوى الشكليات” ولم يُفض إلى أي نتائج ملموسة على أرض الواقع.

في قلب هذه الأزمة، تبرز وزارة الداخلية بوصفها الطرف المسؤول عن إدارة ملف الجماعات الترابية. وقد وجهت النقابات انتقادات لاذعة إلى الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، غيثة مزور، وإلى المسؤولين عن المديرية العامة للجماعات الترابية، معتبرة أن “الوعود بإصلاح الوضعيات المجمدة لم تجد طريقها إلى التنفيذ”، وأن الحوار الاجتماعي “أصبح مجمداً منذ أشهر رغم الملفات الثقيلة الموضوعة على الطاولة”.

وتحدثت مصادر نقابية عن وجود “برود حكومي واضح” في التعاطي مع المطالب الاجتماعية، مقابل استمرار الحكومة في تبرير التأخر بالظروف الاقتصادية والمالية، في حين ترى النقابات أن “العدالة الاجتماعية تقتضي إنصاف الموظفين وتحسين أوضاعهم المادية والمهنية”.

مع اقتراب نهاية السنة الجارية، يبدو أن الاحتقان الاجتماعي مرشح للتصاعد، خصوصاً في ظل الدعوات المتزايدة إلى تنظيم مسيرات وطنية ووقفات مركزية في الرباط والدار البيضاء. وتشير المعطيات إلى أن التنسيق بين النقابات في قطاعات التعليم والصحة والجماعات الترابية بدأ يتوسع، في أفق تشكيل جبهة اجتماعية موحدة للضغط على الحكومة من أجل تفعيل إصلاحات حقيقية تضمن الكرامة والعدالة في الأجور والمسار المهني.

ويرى محللون أن تماطل الحكومة الحالية في الاستجابة لمطالب الشغيلة العمومية “قد يعيد مشهد الاحتجاجات الواسعة لسنتي 2018 و2019″، حين خرجت فئات متعددة إلى الشارع للمطالبة بالإنصاف المهني. ويُحذّر خبراء من أن تجاهل هذه التحركات قد “يؤدي إلى تآكل الثقة في الحوار الاجتماعي ويعمق الفجوة بين الإدارة والموظفين”، و في ظل هذا المشهد المتوتر، يبدو أن الكرة الآن في ملعب الحكومة، فإما أن تُبادر إلى فتح قنوات الحوار الجاد مع النقابات القطاعية، وإما أن تواجه موجة غضب اجتماعي جديدة، قد تعيد ملف العدالة المهنية والاجتماعية إلى واجهة النقاش العمومي بقوة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.