المعارضة ترفض قانون مالية 2026 والأغلبية تصوت على ميزانية العام المقبل بـ 165 صوتا
انكشفت مواقف معارضة قوية داخل مجلس النواب، في ختام مناقشة الجزء الأول من مشروع قانون مالية 2026، حيث وجهت عدة أحزاب سياسية وهيئات مدنية انتقادات لاذعة للحكومة، معتبرة أن المشروع يفتقر للرؤية الاجتماعية والجرأة الإصلاحية، ويعيد إنتاج نفس المقاربات التي أثبتت محدوديتها خلال السنوات الأخيرة. ورغم المصادقة عليه بأغلبية 165 صوتاً مقابل 55، فقد شكّل النقاش حوله لحظة سياسية بارزة عرّت حجم التباعد بين رؤية الحكومة وتطلعات جزء واسع من الفرق النيابية وقوى المجتمع.
و اعتبر حزب التقدم والاشتراكية، أن مشروع قانون مالية 2026، رغم احتوائه على بعض الإيجابيات التقنية، لا يستجيب لمتطلبات الإصلاح الحقيقي ولا يعكس التحديات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة. وأكد النائب البرلماني أحمد العبادي أن التدابير المقترحة لا تختلف كثيراً عن الإجراءات المتبعة منذ أربع سنوات، والتي فشلت في إحداث الأثر المأمول على المستويات الاجتماعية والمجالية. وانتقد رفض الحكومة لجميع التعديلات التي اقترحتها المعارضة داخل لجنة المالية، معتبراً ذلك دليلاً على غياب ثقافة الحوار والإنصات، رغم أن الحكومة توجد في نهاية ولايتها وكان يُنتظر منها تفاعلاً أكبر مع مقترحات الفرق النيابية.
وأشار الحزب إلى استمرار الحكومة في تبرير عجزها بأحوال الطقس أو بتركة الماضي أو بالتقلبات الدولية، في وقت تتزايد فيه الأزمات الاجتماعية وتتعاظم حدة الاحتجاجات التي شملت أطر التعليم ومهنيي الصحة والمحامين وقطاعات متعددة. وأبرز أن معدلات البطالة بلغت مستويات غير مسبوقة، رغم وعود الحكومة بخلق مليون منصب شغل، لتعود اليوم بوعد جديد بإحداث 1,48 مليون منصب بحلول 2030، في رهان اعتبره الحزب غير واقعي. كما سجل الحزب أن الزيادات الحكومية في دعم المواد الأساسية غير كافية لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، وأن التضخم ما زال يثقل القدرة الشرائية في ظل غياب إجراءات قوية لوقف المضاربات والغلاء.
ومن جهته، قدّم فريق “الحركة الشعبية” قراءة نقدية للوضع، مؤكداً أن الحكومة لم تفِ ببرنامجها وأنها قدمت صورة غير مطابقة للواقع الذي يعيشه المغاربة. وساءل الفريق مصير المهام الاستطلاعية التي شكلها البرلمان للكشف عن الاختلالات في عدد من القطاعات، وعلى رأسها ملف اللحوم الحمراء، قبل أن يُطوى الملف دون توضيحات للرأي العام. واعتبر رئيس الفريق الحركي إدريس السنتيسي أن الحكومة كانت محظوظة بالنظر إلى حجم الموارد التي توفرت لها مقارنة بحكومات سابقة، لكنها لم تستثمر تلك الإمكانيات بالشكل المطلوب. وانتقد غياب الحكامة في قطاع الصحة رغم الزيادات المتتالية في الميزانية، مشيراً إلى أن العديد من المستشفيات ما تزال مجرد بنايات بدون تجهيزات أساسية.
وفي سياق المصادقة على الجزء الأول من مشروع القانون، أشار تقرير لجنة المالية إلى أن مجموع التعديلات التي قُدمت بلغ 350، لم يُقبل منها سوى 30 تعديلاً فقط، وهو ما اعتبرته المعارضة دليلاً إضافياً على غياب الانفتاح الحكومي، خاصة وأن معظم التعديلات جاءت بهدف توجيه المال العام نحو قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والتشغيل.
من جهتها، أكدت نبيلة منيب عن الحزب الاشتراكي الموحد أن المغرب في حاجة إلى “مناعة داخلية” حقيقية تبدأ بتعزيز الديمقراطية ومحاربة الفساد والاستبداد، معتبرة أن مشروع قانون مالية 2026 لم يراعِ حجم الاحتجاجات الاجتماعية ولا اللحظة السياسية الوطنية المرتبطة بملف الصحراء. وانتقدت عدم إدراج مشاريع قوانين أساسية مثل العفو العام وتنازع المصالح، معتبرة أن مشروع المالية كان من المفروض أن يكون لحظة سياسية بامتياز وليس مجرد عرض تقني. وأشارت منيب إلى استمرار الإعفاءات الضريبية الممنوحة لشركات كبرى، في وقت تتدهور فيه الأوضاع المعيشية لـ80% من الأسر المغربية وفق تقارير رسمية، مؤكدة أن السياسات الحالية لا تضمن توزيعاً عادلاً للثروة ولا استثماراً منتجاً يحدّ من الهشاشة والفقر.
أما فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فدرالية اليسار الديمقراطي، فقد اعتبرت أن اللجوء إلى اتهام المعارضة بالعدمية يعكس إفلاساً فكرياً لدى الأغلبية، مؤكدة أن العدمية الحقيقية هي إفراغ السياسة من محتواها وتحويل النقاش البرلماني إلى تصفيق بدل التقييم. وأشارت إلى أن المشروع يستمر في النهج النيوليبرالي ذاته، رغم اتساع رقعة البطالة وغلاء المعيشة وتزايد الفوارق الاجتماعية. وشددت على أن قانون المالية يجب أن يكون أداة لتوزيع الثروة وإرساء العدالة، لا وثيقة تقنية مبنية على مقاربات تقشفية تزيد من أعباء الطبقة الوسطى والأجراء. وأضافت أن الرهان الأعمى على القطاع الخاص دون إصلاح بيئة الحكامة ومحاربة الاحتكار والريع لن يحقق لا التنمية ولا خلق فرص الشغل، داعية إلى ضريبة على الثروة وتوجيه الاستثمار العمومي نحو الإنسان والمجالات الأكثر هشاشة.
وفي نفس الاتجاه، انتقدت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب مشروع قانون مالية 2026، معتبرة أنه خالٍ من رؤية اجتماعية ترتكز على المساواة الفعلية بين النساء والرجال، ولا يجيب عن التحديات التي تواجه الفئات الهشة في القرى والمناطق المهمشة. وأشارت الجمعية إلى أن المشروع لم يقدم أي تصور لإصلاحات جوهرية تعالج الفقر والفوارق الطبقية والتمييز، مطالبة بسياسات عمومية أكثر إنصافاً وعدلاً.
وهكذا، يبدو أن مشروع قانون مالية 2026، رغم المصادقة عليه بأغلبية مهمة، لم يُقنع أطيافاً واسعة من المعارضة والفاعلين المدنيين، الذين اعتبروا أنه لا يرتقي إلى مستوى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب، ولا يفتح آفاقاً حقيقية لبناء نموذج تنموي عادل يضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية لجميع المواطنين.