مطلب برلماني: تحقيق عاجل في “سرقة المياه” وتهديد الواحات بالعطش

0

 

تتصاعد في المغرب، خلال الأسابيع الأخيرة، لهجة النقد الموجّه إلى الحكومة بشأن تدبير أزمة الماء، في ظل ما تعرفه البلاد من جفاف قاسٍ وتراجع مقلق للموارد المائية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة أسئلة المسؤولية والشفافية والجاهزية الاستباقية. وبينما تؤكد الحكومة أنها تعمل على تنفيذ مشاريع استراتيجية لضمان الأمن المائي، ترى أصوات معارضة أن الواقع يكشف اختلالات عميقة تتطلب وقفة حقيقية لمعالجة الأسباب بدل الاكتفاء بترديد الشعارات أو صناعة “أبطال وهميين”.

وفي قلب هذا الجدل السياسي والعمومي، خرجت النائبة البرلمانية عن “فدرالية اليسار الديمقراطي”، فاطمة التامني، بردّ قوي على التصريحات الأخيرة لعمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي المنتمية لحزب التجمع الوطني للأحرار، والتي اعتبرت فيها أن مدينة الدار البيضاء كانت ستعيش أزمة عطش لولا تدخل رئيس الحكومة عزيز أخنوش. تصريحٌ أثار موجة نقاش واسعة، رأى فيها الكثيرون مبالغة غير مبرّرة ومحاولة إضفاء طابع بطولي على إجراءات تعتبر، في الأصل، من صميم مسؤوليات الدولة وليست فضائل شخصية.

واعتبرت التامني، في تدوينة على حسابها بفيسبوك، أن عبارة “لولا أخنوش لمات سكان البيضاء عطشاً” تعبّر عن “هذيان سياسي” و”خطاب استصغار لذكاء المغاربة”، مؤكدة أن الحكومة تُحاسَب بالأرقام والواقع لا بـ“الروايات الأسطورية”. وشددت على أن بلوغ المواطن إلى حافة العطش ليس إنجازاً للحكومة، بل فضيحة سياسية وإدارية تضع علامات استفهام حول قصور في التخطيط وغياب في الرؤية الاستباقية.

وأضافت البرلمانية اليسارية أن الأزمة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج سنوات من التأخر في إنجاز مشاريع التحلية، والارتباك في تدبير التوزيع، وضعف الاستثمار في البنيات التحتية المتعلقة بتجميع الموارد المائية. وأكدت أن من يردد “لولا أخنوش” يتجاهل حقيقة أن المغاربة اليوم يشعرون بأنهم أقرب إلى العطش من أي وقت مضى، وأن الخصاص لم يكن أزمة ظرفية فحسب، بل مشكلة بنيوية تتطلب إصلاحات عميقة.

وأبرزت التامني أن “تفادي العطش ليس إنجازاً بطولياً، بل حق طبيعي للمواطن”، وأن الحكومات تُحاسب على توفير الماء بجودة واستمرارية وبأثمنة مناسبة، لا على قدرتها على تجنّب الانهيار. وأشارت إلى أن جوهر الإشكال يكمن في العقلية التي تقدّم الحلول الاضطرارية كـ“منحة” للمواطن، بدل أن تعتبرها واجباً أساسياً للدولة تجاه شعبها. وختمت بأن “الحقيقة بسيطة: حين يشعر الناس أنهم على حافة العطش، فهذا يعني أننا أمام إخفاق لا يمكن تجميله”.

في سياق آخر ولكن داخل نفس الإطار المتعلق بحكامة الماء، وجهت النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، سلوى البردعي، سؤالاً كتابياً إلى وزير التجهيز والماء عبد الصمد قيوح، بخصوص ما وصفته بـ“ممارسات خطيرة” تهدد الفرشة المائية وحقوق الساكنة المحلية بإقليم تارودانت، حيث تتحدث شهادات جمعوية وإعلامية عن سرقة مياه جوفية من آبار واحة تيدسي ونقلها إلى جماعة المهادي من أجل سقي ضيعات فلاحية خاصة تعود ملكيتها لـ“أشخاص نافذين”.

وتشير البردعي إلى أن العملية تتم خارج أي إطار قانوني أو إداري، ودون الحصول على التراخيص اللازمة، في منطقة تعاني أصلاً من ندرة المياه والجفاف المتكرر. وهو ما اعتبرته البرلمانية “اعتداءً سافراً على حقوق السكان وتهديداً مباشراً لمصدر عيش الواحات”، مؤكدة أن هذه التجاوزات خلقت غضباً واسعاً واستياءً حاداً بين الساكنة المحلية.

وطالبت النائبة وزير التجهيز والماء بتوضيح التدابير العاجلة التي تنوي الوزارة القيام بها من أجل التحقيق في هذه الوقائع، ومعاقبة المتورطين المحتملين، وضمان وقف أي استغلال غير مشروع للموارد المائية. كما تساءلت عن الإجراءات الوقائية المرتقبة لحماية الواحات من الاستنزاف والاعتداءات المتكررة على الفرشة المائية، وعن خطط الحكومة لضمان عدالة توزيع الماء بين الجماعات المتضرّرة في المنطقة.

هذا التزايد في المواقف البرلمانية المنتقدة، من داخل المعارضة، يُبرز، وفق مراقبين، حجم التوتر الذي يرافق ملف الماء في المغرب، والذي بات يمثل أولوية وطنية قصوى أمام تراجع التساقطات وارتفاع الضغط على الموارد الجوفية. وفي الوقت الذي تؤكد الحكومة أنها بصدد تنفيذ مشاريع كبرى مثل محطات التحلية والمنظومات المائية المندمجة، يرى معارضون أن هناك فجوة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن على الأرض.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن المغرب دخل مرحلة “إجهاد مائي هيكلي”، حيث لم يعد هامش المناورة كبيراً، ما يستدعي حكامة واضحة وحازمة وشفافة في تدبير كل قطرة ماء، سواء في المدن الكبرى التي تواجه طلباً مرتفعاً، أو في المناطق الفلاحية التي تشهد تنافساً حاداً بين الاستعمالات. كما أن تنامي الحديث عن الاعتداء على الفرشات المائية — سواء عبر الضخ غير القانوني أو تحويل المياه إلى ضيعات خاصة — يزيد المخاوف من دخول البلاد مرحلة أخطر إذا لم يتم ضبط الوضع بحزم.

ومهما تعددت زوايا النظر، فإن الرسالة المركزية التي تبعث بها المعارضة اليوم تبدو واضحة: الأمن المائي ليس مجالاً للمزايدات السياسية، بل مسؤولية دولة ومؤسسات، وهو ملف لا يحتمل التبرير أو التهوين. فالمغاربة يريدون ماءً يصل بلا انقطاع، وبجودة وثمن معقولين، ويريدون حكامة تستبق الأزمات بدل أن تفتخر بتجاوزها.

ومع استمرار تداعيات الجفاف، يبدو أن ملف الماء سيظل في صدارة النقاش العمومي والسياسي في المغرب، بين حكومة تؤكد أنها تعمل على بناء حلول استراتيجية طويلة المدى، ومعارضة تذكّر بأن المواطن لا يعيش في المستقبل بل في اللحظة الراهنة، وأن “الإنجاز الحقيقي يبدأ حين لا يخاف الناس من العطش”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.