في حدود 4200 درهم… الحكومة تكشف متوسط الدخل الشهري للباعة المتجولين

0

 

يشهد النقاش العمومي في المغرب عودة ملف الباعة الجائلين والأسواق العشوائية إلى الواجهة، بعد تجدد مطالب عدد من المستشارين البرلمانيين بضرورة الإسراع في إدماج هذه الفئة ضمن المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، وإنهاء حالة “اللايقين” التي يعيش تحتها آلاف المواطنين الذين يتخذون من التجارة غير المهيكلة مصدر رزق يومي. وقد برز هذا المطلب بشكل واضح خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، حيث دعا ممثلو هيئات مهنية ونقابية إلى وضع سياسة مندمجة تُنصف الباعة المتجولين من جهة، وتضمن حقوق التجار المنتمين للقطاع المهيكل من جهة أخرى.

وتقاطع صوت فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب مع فريق الاتحاد العام لمقاولات المغرب في الدعوة إلى معالجة إشكالية الأسواق العشوائية، والمنطق ذاته تبناه فريق الاتحاد المغربي للشغل الذي شدد على أن إنصاف التجار الصغار وإعادة الاعتبار لهم يمر عبر مراجعة سياسات الوزارة تجاه الهيئات النقابية والمهنية. الخطاب البرلماني بدا موحدًا حول قناعة مفادها أن استمرار حالة الفوضى لا يُضر فقط بتنظيم المدن، بل يخلق اختلالات اقتصادية عميقة، ويُضعف ثقة الممارسين المهنيين في جدوى الانخراط في الاقتصاد الرسمي.

وزير الصناعة والتجارة أكد في تفاعله أن هذه الفئة “تبحث عن قوت يومها ومن حقها ذلك”، مشيرًا إلى أن متوسط الدخل الشهري للباعة المتجولين يناهز 4200 درهم، وهو رقم يعكس حجم قاعدة اجتماعية تُشكّل رافعة رزق لشرائح واسعة. لكنه شدد في المقابل على ضرورة إيجاد حلول عملية تحفظ كرامتهم، وتضمن استمرار دخلهم، مع توفير فضاءات منظمة تحمي المستهلك وتضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين التجاريين.

الوزير ذكّر بأن تنظيم الباعة الجائلين ليس مسؤولية وزارته وحدها، بل هو ورش مشترك مع الجماعات الترابية، موضحًا أن الوزارة تساهم ماليًا في توفير أسواق مخصصة لهم، بينما تتكفل الجماعات بالتسيير اليومي لهذه الفضاءات. واستشهد بتجربة مدينة العيون التي وصفها بالنموذجية والقابلة للتعميم، معتبرًا أنها مثال على إمكانية القضاء على الفوضى وتحسين جمالية المدن، متى وُجد التنسيق واشتغلت المؤسسات بفعالية.

وفي معرض حديثه، أقرّ الوزير بوجود منافسة غير شريفة بين التجار الذين يشتغلون بشكل قانوني، وأولئك المنتمين للقطاع غير المهيكل، وهو ما يفاقم شعورًا عامًا بعدم العدالة ويُضعف الالتزام الجبائي. لكنه أشار إلى تسجيل تحسن تدريجي في نسبة الإدماج الجبائي خلال السنوات الأخيرة، حيث ترتفع المداخيل الضريبية بوتيرة تفوق نسب النمو الاقتصادي، ما يعكس انتقال عدد من المهنيين إلى النشاط الرسمي بفعل الرقمنة وتوسيع الإدماج المالي وتشديد سلسلة المراقبة.

في مداخلة أخرى داخل الجلسة، عاد موضوع المقاولات الصغرى والصغيرة جدًا ليطفو على السطح، بعد أن دقّ عدد من المستشارين ناقوس الخطر بشأن وضعية هذا النسيج الذي يمثل 98% من المقاولات الوطنية ويوفر أكثر من نصف مناصب الشغل المصرح بها. ورغم هذا الوزن الاقتصادي والاجتماعي، فإن هذه الفئة تُعاني هشاشة بنيوية تجعلها عرضة للتراجع بدل التطور، وفق ما جاء في مداخلة أحد المستشارين من فريق الأصالة والمعاصرة.

الدعوة إلى إصلاح قانوني شامل يعيد تنظيم هذا القطاع برزت كحاجة ملحّة، إلى جانب ضرورة ابتكار حلول تمويلية مرنة تتجاوز التعقيدات الحالية التي تشكل عقبة كبيرة أمام المقاولات الصغيرة. فجزء واسع من هذه المقاولات يجد صعوبة كبيرة في الحصول على قروض بشروط معقولة تسمح له بتوسيع أنشطته أو حتى ضمان استمراريته في السوق. ومع أزمة التمويل، تبرز مشكلات أخرى مرتبطة بضعف الموارد البشرية المؤهلة، وغياب استراتيجيات واضحة للتسويق والترويج، مما يحد من فرص النمو أمام آلاف المقاولات التي تُشكل عصب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

كما أن البيروقراطية الإدارية ما تزال إحدى أهم العوائق التي تُعرقل مسار عدد من المقاولات، رغم جهود الرقمنة التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة. تغييب الالتقائية بين الإدارات وعدم توحيد المساطر يُثقل كاهل المقاولات الصغيرة التي لا تمتلك قدرة مالية ولا بشرية للتعامل مع الإجراءات المتشعبة. ومع أن الرقمنة ساعدت في تجاوز بعض العراقيل، إلا أن الطريق ما يزال طويلًا نحو بناء منظومة إدارية سلسة ومنسقة تشجع على خلق المقاولات بدل إحباطها.

النقاش البرلماني أعاد التأكيد على أن دعم المقاولات الصغرى وإدماج الباعة الجائلين ومعالجة الأسواق العشوائية هي ملفات مترابطة، لأن جوهر الإشكال يتمثل في دمقرطة الفرص وتحقيق توازن بين مختلف مكونات النسيج الاقتصادي. فالفوضى في القطاع غير المهيكل تضر بالمقاولات المنظمة، وضعف هذه الأخيرة يفتح المجال لمزيد من العشوائية، مما يجعل الإصلاح الشامل ضرورة اقتصادية واجتماعية أكثر منه خيارًا سياسيا.

إن إدماج الاقتصاد غير المهيكل، وتنظيم تجارة القرب، وتوفير بيئة مواتية لنمو المقاولات الصغرى، هي رهانات أساسية للمغرب الصاعد، لن تتحقق إلا بإرادة قوية، وانخراط جماعي، وسياسات عمومية منسجمة تعطي الأولوية للعدالة الاقتصادية وحماية القدرة الشرائية وتكريس ثقافة احترام القانون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.