تقرير: 900 ألف عاطل شاب بدون شهادات

0

 

كشفت مناقشات مجلس المستشارين الأخيرة، ومعطيات وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات يونس السكوري، صورة مقلقة عن واقع البطالة بالمغرب، حيث أكد الوزير وجود أزيد من 900 ألف شاب بدون شهادات داخل خزان عطالة رسمي يفوق مليوناً ونصف مليون شخص، مع اعتراف صريح بأن البرامج الحكومية السابقة فشلت في معالجة الجذور العميقة لهذه الأزمة. هذا الاعتراف الحكومي، ولو جاء متأخراً، يعكس حجم التراكمات التي جعلت سوق الشغل المغربي يواجه واحدة من أعقد مراحله منذ عقود، في ظل تحولات اقتصادية سريعة وضعف الفرص وغياب سياسات عمومية ناجعة في استهداف الفئات الأكثر هشاشة.

وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، كشف الوزير أن الحكومة انتقلت من “مرحلة الإجراءات الاستعجالية” إلى تبني “خريطة طريق شمولية” تعيد هيكلة البرامج وتصحح مسارات طالما أُهملت، موضحاً أن المشكل لم يكن فقط في ضعف التمويلات أو غياب التنسيق، بل أساساً في غياب مقاربات عملية تستجيب لواقع شباب لا يتوفرون على شهادات، ولا يملكون خبرة مهنية تسمح لهم بولوج سوق الشغل. وحسب السكوري، فإن الفئة الأكثر هشاشة، أي الشباب المنقطعون عن الدراسة أو الذين خرجوا مبكراً من المدرسة دون تكوين، كانت دائماً خارج دائرة الاهتمام، بالرغم من أنها تمثل اليوم أكثر من 900 ألف شاب “من المستحيل تقريباً أن يجدوا فرصة عمل أولى” بدون برامج فعّالة وقابلة للتنفيذ.

ويعترف الوزير بأن السياسات السابقة كانت منحازة لفائدة الشباب الحاصلين على الشهادات، في حين تُركت فئات واسعة خارج رادار التكوين والتأطير، وهو ما عمّق الفوارق داخل سوق الشغل وأدى إلى بروز كتلة ضخمة من الشباب الذين لم يستفيدوا من أي برامج إدماج. وبينما ظل التركيز موجهاً نحو برامج تقليدية، ظلّ ملايين الشباب دون تكوين وتأهيل، وهو ما جعل التشغيل الأولي شبه مستحيل بالنسبة لهم، خاصة في القطاعات الصناعية التي تتطلب مهارات أساسية.

وأكد الوزير أن أول ما اكتشفته الحكومة عند تقييم هذه البرامج هو غياب أدوات قابلة للتطبيق على الفئات الأكثر هشاشة، لافتاً إلى أن التدرج المهني كان المدخل الأكثر واقعية لمعالجة جزء من المشكلة، لأنه يقوم على مبدأ “20 في المائة تكوين و80 في المائة عمل”، ما يسمح للشباب بالولوج مباشرة إلى تجربة مهنية تؤهلهم قبل دخول سوق الشغل بشكل كامل. ومع ذلك، أقرّ الوزير بأن عدد المقاولات المنخرطة في هذا الورش كان ضعيفاً، إذ لم يتعدَّ 54 مقاولة في بعض القطاعات مثل النسيج والصناعة، وهو رقم لا يعكس حجم الحاجة الوطنية.

ورغم أن الحكومة تقول إنها رفعت هذا الرقم إلى 96 ألف مقاولة خلال السنة الماضية، إلا أن الوزير يعترف بأن المغرب يحتاج إلى “900 ألف مقاولة في 200 سنة لكي يغطي كل الخصاص”، في تعبير صريح عن اختلالات كبرى بين العرض والطلب داخل سوق الشغل، وعن حجم الهوة بين الأهداف المعلنة والواقع الميداني.

وفي ظل هذا التشخيص، أعلنت الحكومة رفع عدد المستفيدين من التدرج المهني إلى 100 ألف شاب سنوياً، مع إطلاق لجنة وزارية يرأسها رئيس الحكومة لتتبع تنفيذ الاتفاقيات القطاعية وتوزيع مراكز التكوين حسب المناطق. وتشمل القطاعات المستهدفة الصناعة التقليدية، الفلاحة، الصيد البحري، والسياحة، إضافة إلى برامج خاصة بالفتيات في القرى والبوادي، ومسالك موجّهة للنساء داخل مؤسسات الوزارة المكلفة بالأسرة والتضامن.

وفي خطوة اعتبرها الوزير “مفصلية”، تم فتح الباب لتوسيع التدرج المهني نحو 200 مهنة جديدة تشمل التكنولوجيا، التجارة، والمهن المتخصصة، مع تخصيص ميزانية تقارب مليار درهم. كما أوضح السكوري أنه عقد اجتماعاً مع الفيدراليات المهنية التابعة للاتحاد العام لمقاولات المغرب، وطالبها بتحديد لائحة مهن إضافية تضم احتياجات مستقبلية لسوق الشغل.

وفي الجانب المتعلق بالشباب المستفيدين، كشف الوزير أن الحكومة خصّصت منحة شهرية تتراوح بين 500 و2000 درهم للمتدرّبين، مؤكداً أنها ليست أجراً بل منحة اجتماعية تهدف لتغطية تكاليف النقل والإيواء والمطعم، ومحاربة الهدر داخل مسارات التكوين. كما تم تخصيص دعم للمقاولات والحرفيين، حيث أصبح “المعلم” في الصناعة التقليدية يحصل على 300 درهم شهرياً عن كل متدرّب، وهو ما قد يصل إلى 3000 درهم في حالة إشرافه على عشرة متدربين.

وفي إطار إعادة هيكلة خدمات التشغيل، اعترف السكوري بأن نظام “لانا بيك” كان يحرم الشباب غير الحاصلين على شهادات من الاستفادة من عروض العمل، وهو ما أدى إلى مفارقة عجيبة، تتمثل في وجود مصانع تبحث عن يد عاملة، يقابلها شباب لا يستطيعون الوصول إلى تلك الفرص بسبب شروط غير واقعية. وقال الوزير: “لا نريد أن يتكرر هذا الخطأ”، معلناً حذف شرط الشهادة لعدد من عروض العمل التي توفر تكويناً موازياً.

كما كشف أن “لانا بيك” أنجزت استقصاءً لدى 12 ألف مقاولة، فنتج عنه 39 ألف منصب شغل جاهز، سيتم توزيعها ضمن خريطة دقيقة حسب الجهات والقطاعات، مع بدء تقييم البرنامج خلال شهرين.

ورغم التقدم المعلن في هذا البرنامج، تؤكد الأرقام وجود تحديات ضخمة، أبرزها أن المدرسة المغربية تنتج 280 ألف شاب سنوياً، وهي أرقام تضع ضغطاً هائلاً على سوق الشغل، في وقت تؤكد فيه الدراسات الحكومية أن الشباب الذين يتابعون التكوين المهني هم الأقل عرضة للبطالة مقارنة بغيرهم، ما يجعل الرهان على التدرج المهني حتمياً.

إن اعتراف الحكومة بتراكمات الماضي، وبفشل البرامج السابقة في الحد من البطالة، وبكون الحلول التقليدية لم تعد مناسبة لواقع اليوم، يمثل منعطفاً حقيقياً في التعامل مع الأزمة. ومع ذلك، فإن قدرة هذه البرامج الجديدة على النجاح مرهونة بثلاثة شروط أساسية: التزام فعلي للمقاولات، دعم حقيقي للجهات في توفير الخدمات المرافقة، وتقييم صارم وشفاف للنتائج دون تجميل أو مبالغة.

وبينما تواصل الأرقام الرسمية كشف اتساع دائرة البطالة، خاصة وسط الشباب غير الحاصلين على شهادات، يبقى سؤال جوهري مطروحاً: هل سيستطيع برنامج “التدرج المهني” ومعه خارطة الطريق الحكومية تفكيك أزمة تضخمت عبر سنوات من الإهمال؟ أم سنقف مرة أخرى أمام نموذج جديد ينتهي إلى الأرشيف دون أثر حقيقي على جيل ينتظر بوابة واحدة فقط: فرصة للاندماج في حياة اقتصادية واجتماعية تحفظ كرامته؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.