تورط جماعات ترابية في صفقات مشبوهة
تشير المعطيات، إلى أن تقارير حديثة صادرة عن هيئات التفتيش التابعة لمحاكم مالية جهوية بالمغرب كشفت عن اختلالات واسعة داخل عدد من الجماعات الترابية، بعدما أماطت اللثام عن ممارسات غير قانونية تخص “صفقات عائلية” وعمليات تفويت مثيرة للجدل، تورّط فيها رؤساء ومنتخبون عبر استغلال مواقعهم لتوجيه عقود ومشاريع عمومية نحو شركات مرتبطة بأقاربهم بشكل مباشر أو غير مباشر، في خرق واضح لمقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات، ولا سيما ما يتعلق بتضارب المصالح.
ووفق ما جرى تداوله، فقد وقفت لجان التفتيش خلال مهامها التي شملت عشرات الجماعات، على معاملات مالية وصفت بـ”المشبوهة” أجرتها شركات حديثة العهد، تبين أنها تأسست بأسماء الأبناء والزوجات والأقارب، في محاولة للالتفاف على الضوابط القانونية التي تمنع المنتخب من الاستفادة الشخصية من الصفقات أو التأثير في توجيهها. وأفاد قضاة التفتيش بأنهم رصدوا حالات تتضمن تشابه توقيعات بين من يفترض أنهم مسيّرو هذه الشركات وبين أشخاص آخرين يملكون علاقة مباشرة أو سلطة داخل المجالس المنتخبة، ما عزز الشكوك حول وجود تدخلات غير شفافة في إسناد العقود.
وكشفت تقارير التدقيق أيضاً أن بعض الجماعات تعاقبت على التعامل مع الشركة نفسها لسنوات طويلة دون منافسة حقيقية، رغم عدم توفر هذه الشركة على الحد الأدنى من المؤهلات أو الوسائل القانونية المطلوبة لممارسة نشاطها، بل تبين أن بعضها لا يملك سوى اسم تجاري مسجل، فيما تتم الأشغال على الأرض بواسطة شركات مناولة تُستعمل كواجهة لتبرير الأعمال المنجزة. وقد اعتبرت لجان التفتيش هذا الأمر دليلاً على وجود تلاعب مقصود يهدف إلى التحكم في الصفقات والاستفادة من المال العام بطرق التفافية.
وفي سياق متصل، تناولت تقارير التفتيش ملاحظات حول عدم احترام مساطر التأهيل والتصنيف الخاصة بمقاولات البناء والأشغال العمومية، وهو ما يعد تجاوزاً صريحاً للدوريات المنظمة التي تشدد على ضرورة توفر المقاولات المتنافسة على شهادات تثبت كفاءتها وقدرتها المالية والتقنية لإنجاز المشاريع. غير أن عدداً من الجماعات سمحت لشركات لا تملك أي ضمانات بالمشاركة في طلبات العروض، وهو ما فتح الباب أمام تمرير صفقات بمبالغ ضخمة لفائدة شركات غير مؤهلة، بل إن بعضها شارك في إنجاز مشاريع ذات طابع ملكي وحساسية كبرى داخل مخططات التنمية الترابية.
وتوسّعت مهام المفتشين لتشمل التدقيق في نفقات التسيير والتجهيز، من رواتب وتعويضات، وفواتير الماء والكهرباء والهاتف، مروراً بمشتريات العتاد المعلوماتي، وصولاً إلى عقود إصلاح وصيانة الأسطول والجوانب المرتبطة بالنظافة. وقد لاحظت اللجان وجود مبالغ مرتفعة لا تتناسب مع حجم الخدمات المقدمة، إضافة إلى فواتير غير معللة بشكل كافٍ، وعمليات اقتناء لا تلتزم بالتراتبية القانونية لطلب العروض.
ووفق ما جرى تسجيله، فإن بعض الجماعات لم تلتزم كذلك بتوجيهات تقشفية صادرة عن السلطات الوصية في ظل الأزمات الاقتصادية التي تشهدها البلاد، إذ لوحظ استمرارها في صرف اعتمادات مالية كبيرة على نفقات غير أساسية، رغم أن التعليمات كانت واضحة بضرورة إعطاء الأولوية للرواتب والمصاريف الإجبارية، إلى جانب ترشيد استهلاك الموارد والالتزام الصارم بمساطر تدبير الميزانية.
وعلى مستوى آخر، كشفت تقارير المحاكم المالية عن وجود فجوات كبيرة في مراقبة تدبير قطاع النظافة داخل عدد من الجماعات، حيث جرى تسجيل ارتفاع غير مبرر في قيمة الصفقات، مقابل خدمات متواضعة لا تعكس حجم الميزانيات المرصودة. كما رفضت السلطات المشرفة في بعض الحالات التأشير النهائي على هذه الصفقات نتيجة تضخم تكلفتها وانعدام التبريرات التقنية المقنعة.
هذه المعطيات أثارت جدلاً واسعاً بالنظر إلى حجم الخروقات وطبيعة التجاوزات الموثقة، ما أعاد إلى الواجهة سؤال الحكامة داخل الجماعات الترابية، خاصة أن هذه المؤسسات تعد الأقرب للمواطنين والأكثر تأثيراً في حياتهم اليومية من خلال الخدمات الأساسية التي تقدمها. فالمواطنون ينتظرون شفافية أكبر في تدبير الشأن المحلي، خصوصاً بعد توالي التقارير التي تعري اختلالات متكررة تطال تدبير المال العام.
ورغم أن نشر التقارير يخلق صدى واسعاً في الرأي العام، إلا أن متتبعين يطرحون باستمرار سؤال المتابعة والمحاسبة، معتبرين أن فضح الاختلالات وحده لا يكفي، وأن غياب إجراءات زجرية حازمة يشجع على استمرار هذه الممارسات داخل المؤسسات المنتخبة. وهو ما يعيد النقاش حول ضرورة تعزيز الآليات الرقابية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتفعيل المساطر القانونية في حق كل من ثبت تورطه، بما يضمن حماية المال العام وإعادة الثقة في تدبير الشأن المحلي.
ومع توالي هذه التقارير، يبقى الرهان مطروحاً أمام السلطات والمؤسسات الرقابية لتجسيد الإرادة السياسية في مواجهة الفساد، ووضع حد لما تصفه التقارير بـ”الصفقات على المقاس”، وضمان شفافية تدبير المشاريع العمومية، حتى لا يتحول المال العام إلى غنيمة موزعة بين المقربين والأقارب، بدل أن يكون رافعة لتنمية الجماعات وتحسين خدماتها للمواطن.