الباروميتر العربي: 73 في المائة من المغاربة يتشبثون بالديمقراطية

0

 

رغم تآكل الثقة بالمؤسسات السياسية وانهيار الآمال التي كانت معقودة على الربيع العربي، ا يزال أغلب مواطني منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعبّرون عن دعم قويّ للديمقراطية. ففي تونس، حيث أقال الرئيس قيس سعيد رئيس الوزراء وجمّد عمل البرلمان قبل أن يحلّه لاحقاً، رأى ثمانية من أصل كلّ عشرة مشاركين في الاستطلاع أنّ الديمقراطية أفضل أشكال الحكم وينسحب هذا الرأي على دول أخرى مثل الكويت والأردن والمغرب وموريتانيا والعراق وفلسطين. حتّى في لبنان الذي يواجه أزمات سياسية واقتصادية خانقة، لا تزال شريحة واسعة من السكّان متمسّكة بالحكم الديمقراطي، رغم تراجع طفيف في الدعم له في السنوات الماضية.

لكن، ما الذي يفسّر استمرار الدعم الشعبي للديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على الرغم من أنّ الوعود بتحسين الحوكمة بعد الربيع العربي لم تؤت ثمارها؟ لفكّ هذا اللغز، لا بدّ من إعادة النظر في مفهوم “الديمقراطية” كما يراه المواطن العادي. غالباً ما ترتكز التعريفات الكلاسيكية للديمقراطية على الجوانب المؤسّساتية مثل المنافسة السياسية المفتوحة والانتخابات الدورية وتعدّد الأحزاب وتداول السلطة وصون الحريات المدنية. غير أنّ هذا التعريف قد لا يعبّر بدقّة عن العناصر التي يعتبرها مواطنو المنطقة أساسيّة في أنظمة الحكم.

يُشير موجز القضية هذا إلى أنّ تلبية متطلّبات “الكرامة” أصبحت معياراً مهمّاً لدى الرأي العام في المنطقة لتقييم الديمقراطية. فبالنسبة إلى مواطني الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا تتجسّد سمات الديمقراطية الجوهرية في الانتخابات أو الأطر الإجرائية، بل في النتائج الملموسة التي يحقّقها النظام. في هذا السياق، يستمرّ التأييد الشعبي للديمقراطية لأن الناس يرون فيها النظام الذي يوفّر لهم احتياجاتهم الأساسية ويضمن لهم العدالة والأمان. يُظهر استطلاع جديد من نوعه أنّ هذه التطلّعات تتجسّد في نظامٍ يصون كرامة المواطنين. ويساعد هذا التفسير للطريقة التي يرى فيها مواطنو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الديمقراطية، على توضيح سبب استمرار تفضيلهم لها على أيّ شكل آخر من أشكال الحكم.

يستعرض موجز القضية هذا ثلاث قضايا رئيسية انطلاقاً من بيانات حديثة صادرة عن “الباروميتر العربي” تستند إلى مقابلات مباشرة مع أكثر من 15 ألف مشارك في ثماني دول بين عامَي 2023 و2024 فيُحلّل في الدرجة الأولى مواقف مواطني الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجاه الديمقراطية. ثانياً، يتناول السِمات التي يعتبرها المواطنون جوهرية في الديمقراطية. وأخيراً، يُسلّط الضوء على مفهوم الكرامة، مبيّناً علاقته بتصورّات الرأي العام حيال الديمقراطية، ويطرح إطاراً جديداً لفهم دوافع التأييد الشعبي المتواصل للديمقراطية في المنطقة.

ورغم التصوّر السائد بأنّ انتفاضات الربيع العربي أخفقت في تحقيق أهدافها، فإنّ ذلك لم يُترجم إلى تأييدٍ واسعٍ للحكم الاستبدادي. ففي استطلاعٍ شمل ثماني دول، عند سؤال المواطنين عمّا إذا كان الحكم غير الديمقراطي قد يُمثّل خياراً أفضل، وافقت الأغلبية على ذلك في ثلاث دول فقط، بينما وافق أقلّ من نصف المشاركين فقط على هذا الرأي في الدول الخمسة الأخرى. حتى في البلدان التي يُنظر فيها إلى الأداء الاقتصادي للأنظمة الديمقراطية بعين الشكّ، ترى نسبة أكبر من المواطنين أنّ الحكم الاستبدادي من شأنه أن يفاقم مشكلات مثل الفساد وانتهاك الحقوق المدنية وتردّي الخدمات. ومن هذا المنطلق، يستمرّ التأييد للديمقراطية إلى حدّ ما، وذلك انسجاماً مع المقولة الشهيرة لوينستون تشرشل: “الديمقراطية هي أسوأ أشكال الحكم، باستثناء كل الأشكال الأخرى التي جُرّبت بين الحين والآخر”. فعلى علّاتها، تبقى الديمقراطية أفضل من البدائل الأخرى.

تتجلّى هذه القناعة في ارتفاع مستويات التأييد للديمقراطية ففي جميع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي شملها الاستطلاع، لم تنخفض نسبة التأييد للنظام الديمقراطي عن 73 في المئة، حيث تراوحت بين 85 في المئة في الكويت و73 في المئة بالمغرب ولبنان. ومنذ جولة الاستطلاعات بين 2021 و2022، سجّل صافي التأييد للديمقراطية ارتفاعاً بـ 19 نقطة مئوية في المغرب، و7 نقاط في كلٍّ من الأردن وتونس، و6 نقاط في العراق، ولم يتراجع هذا التأييد إلا في لبنان، وذلك بمقدار 7 نقاط.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.