النقابات تفضح اختلالات التعليم العالي
قدم وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، عرضاً مطوّلاً أمام مجلس المستشارين خلال جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة يوم الثلاثاء 9 دجنبر، في وقت تتصاعد فيه انتقادات النقابات حول ما تعتبره “اختلالات عميقة” في منظومة التعليم العالي وتعثراً في تنزيل عدد من المشاريع المبرمجة. ووجد الوزير نفسه مضطراً للدفاع بقوة عن رؤية وزارته، مؤكداً أن الإصلاح “ليس ظرفياً ولا رد فعل”، بل مسار ممتدّ قائم على الاستباقية ومواكبة التحولات العالمية السريعة، خاصة في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
بدأ الوزير مداخلته بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي “فاجأ الجميع وسيفاجئهم أكثر”، وأن التحدي المرتبط به عالمي ولا يقتصر على المغرب. في هذا السياق، أعلن أن الوزارة تبنّت بيداغوجيا جديدة تقوم على تبسيط إدراج الذكاء الاصطناعي في التكوينات الجامعية، ومنحه إطاراً تنظيمياً واضحاً، إلى جانب توسيع عروض التكوين في علوم البيانات والرقمنة. وكشف عن إحداث مركز للابتكار في الأمن السيبراني، واعتماد وحدات جديدة تخص الذكاء الاصطناعي في سلك الإجازة والماستر، مع تعزيز تكوينات اللغات والمهارات الرقمية والريادة.
وتوقف الوزير عند عدد من المؤشرات التي تقدمها وزارته باعتبارها خطوات عملية في مسار الإصلاح، من بينها اعتماد 550 مسلكاً في الرقمنة، و65 مسلكاً متخصّصاً في الذكاء الاصطناعي، ورقمنة 147 وحدة جامعية عبر مختلف الجامعات الوطنية، وتخصيص منح للباحثين في المجالات المرتبطة بالتحول الرقمي. وشدد على أن هذه الإجراءات مجتمعة تعكس رغبة واضحة في تحديث النموذج البيداغوجي الوطني وربطه بالتحولات الجارية في العالم، مشيراً إلى أن بعض الجامعات الدولية باتت تعتمد في تقييم أطروحات الدكتوراه على ملخصات مركزة بدل مئات الصفحات، وهو ما يعكس تغيّر نماذج البحث العلمي.
وفي معرض رده على سؤال يتعلق بإعادة الاعتبار للتكوين الجامعي، شدد ميداوي على أن الإصلاح لن يتوقف، لأن التطورات البيداغوجية عالمياً “أسرع من أن تُدار بمنطق المناسباتية أو منطق ردّ الفعل”. وأوضح أن ربط التكوين الجامعي بالتشغيل لا يجب أن يُفهم فقط من زاوية الوظائف المباشرة، لأن التشغيل مرتبط أساساً بالنمو الاقتصادي والقدرة على خلق الثروة. وأكد أن الجامعة فضاء للفكر والإنتاج المعرفي إلى جانب اعتبارها رافعة للتشغيل، مورداً أن وزارته تعمل على إدماج الذكاء الاصطناعي واللغات والمقاولاتية ضمن الوحدات الأساسية، وعلى إطلاق منصة لغوية وطنية متعددة اللغات، مع تطوير الإطار القانوني الذي يسمح للجامعات بتفعيل استقلاليتها بشكل ناجع.
وعند انتقال النقاش إلى وضعية جهة درعة تافيلالت، قاطع الوزير ما اعتبره “خطاب الإقصاء والتآمر”، مؤكداً أن الجهة لها مكانة تاريخية وثقافية خاصة، وأن الوزارة توليها العناية اللازمة ضمن مخطط تطوير العرض الجامعي. وأفاد بأن هناك مخططاً مديرياً واضحاً يوجّه الاستثمارات الجامعية حسب الحاجيات الجهوية والوطنية، في إطار رؤية تشاركية تعتمد على الإصلاح المستمر والتفعيل الحقيقي للسياسات العمومية.
وفي محور ثانٍ أكثر حساسية، قدّم الوزير تشخيصاً مفصلاً لوضعية الكليات متعددة التخصصات، وهي مؤسسات أحدثت سنة 2003 وفق نموذج مستوحى من النظام الأمريكي، حيث كان الهدف أن يقضي الطلبة سنتين أو ثلاثاً قبل الالتحاق بالجامعات الكبرى. غير أنّ هذه المؤسسات، وفق تعبيره، فقدت هويتها الأصلية تدريجياً، بعدما أصبحت تمنح الإجازة والماستر والدكتوراه في آن واحد، وتجمع بين تخصصات متنافرة كالآداب والعلوم والحقوق والعلوم الإنسانية، ما أدى إلى تضخمها لتضم في بعض الحالات أكثر من 30 ألف طالب. واعتبر أن هذا التشتت جعلها “تشكل عبئاً وتفقد وظيفتها الأساسية”، مؤكداً أن الوزارة تعمل حالياً، وفق توصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين لسنة 2022، على إعادة هيكلتها وضبط وظائفها لتستجيب لمتطلبات العدالة الاجتماعية والحاجيات الجهوية والسياسات الوطنية الكبرى، خصوصاً تلك المرتبطة بالمهن المستقبلية.
وخلال تفاعل الوزير مع أسئلة أخرى، أبرز إشكالية الأنوية الجامعية التي لم تُستكمل إجراءات إحداثها. وأوضح أن برمجتها بدأت سنة 2018 بإطلاق 33 نواة جامعية عبر مختلف الجهات، إلا أن عدداً منها لم يصل إلى مرحلة الإحداث النهائي بسبب محدودية الميزانية خلال سنة 2025، ما فرض اعتماد منهج تدريجي في التنفيذ. وبيّن أن الوزارة شرعت أولاً في المؤسسات التي نُشرت قراراتها في الجريدة الرسمية، كالحسيمة وتاونات والقصر الكبير والحاجب وبنجرير وسيدي بنور، لافتاً إلى أن بعضها بُني وجهّز لكنه بقي مغلقاً بسبب عدم استكمال مساطر الإحداث من طرف مجالس الجامعات. وقال إن الوزارة أعادت فتح هذا الملف وطلبت من رؤساء الجامعات تقديم مقترحات جديدة لتسريع استكمال هذه المشاريع.
وتطرّق الوزير أيضاً إلى رؤية الوزارة لإحداث مؤسسات جامعية من الجيل الجديد، مذكّراً بأن مدينتي العيون والداخلة شهدتا خلال الأسابيع الأخيرة افتتاح مؤسستين جديدتين لتكوين مهندسي المستقبل، ضمن تصور شامل لإعادة هيكلة العرض الجامعي بما ينسجم مع الحاجيات الوطنية والتحولات الدولية. وأكد أن سوق الشغل لم يعد محلياً ولا وطنياً فقط، بل أصبح ذا بعد دولي يستوجب إعادة ترتيب التكوينات الجامعية وتوسيع مؤسسات الاستقطاب المحدود، وفتحها في وجه طلبة أقاليم أخرى حتى لا تظل مغلقة على محيطها الترابي.
وفي سياق متصل، أشار الوزير إلى أن مشروع القانون 29-54، المعروض على الغرفة الأولى، ينص على إمكانية تشكيل أقطاب جامعية جهوية تقودها جامعة عمومية، وتتمتع بشخصية اعتبارية واستقلال إداري ومالي، وتشتغل وفق اتفاقيات مضبوطة تضمن التكامل بين التكوينات والبحث العلمي داخل الجهة. وأوضح أن هذه الخطوة تأتي لإنهاء وضعية “تشتت الجامعات”، ولإرساء رؤية شمولية للخريطة الجامعية.
واختتم الوزير مداخلته بالتأكيد على أن التحولات العالمية المتسارعة تفرض إعادة بناء منظومة التعليم العالي على أسس جديدة، وأن الوزارة تعمل على تطوير عرض جامعي متوازن ومرن، يضمن تكافؤ الفرص لأبناء جميع الجهات، ويؤهل الكفاءات الوطنية لمهن المستقبل. وبرغم الانتقادات التي تُوجَّه إلى القطاع، شدد الوزير على أن الإصلاح مستمر، وأن التحديات المطروحة “لا يمكن التعامل معها بمنطق التجزيء أو الاستجابة الظرفية”، مؤكداً أن المغرب في حاجة إلى جامعة حديثة وقادرة على التفاعل مع التحولات التقنية والعلمية الكبرى.