تزايد قضايا غسيل الأموال أمام الكحاكم
يشهد ملف غسل الأموال بالمغرب تطورا لافتا خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث عدد القضايا المعروضة على القضاء أو من حيث حجم التصريحات بالاشتباه التي تتوصل بها الجهات المختصة، وهو ما يعكس من جهة تنامي هذا النوع من الجرائم، ومن جهة أخرى ارتفاع مستوى اليقظة لدى مؤسسات الرقابة والتتبع المالي. فقد تم خلال الفترة الأخيرة إحالة عشرات الملفات المرتبطة بغسل الأموال والجرائم الأصلية على المحاكم المختصة بعدد من المدن الكبرى، في مؤشر على تشديد القبضة القانونية ومواصلة تفعيل الترسانة التشريعية ذات الصلة.
وتنوعت القضايا المعروضة على القضاء بين إخفاء متحصلات جرائم جنائية وجنحية، وعمليات النصب والاحتيال، والتزوير المرتبط بالوثائق البنكية ووسائل الأداء، إضافة إلى أنماط حديثة نسبيا مثل استغلال الرهانات الرياضية، والأنشطة الهرمية، والمعاملات المرتبطة بالعملات المشفرة. هذا التنوع يعكس التحولات التي تعرفها الجريمة المالية، وقدرتها على التكيف مع المستجدات التكنولوجية والاقتصادية.
في موازاة ذلك، سجلت وتيرة التصريح بالاشتباه ارتفاعا ملحوظا، حيث تضاعف عدد التصريحات خلال سنوات قليلة بشكل غير مسبوق. هذا التطور لم يكن معزولا عن اعتماد آليات جديدة للتنسيق والتغذية العكسية بين الهيئة المكلفة بتلقي وتحليل المعطيات المالية المشبوهة وبين سلطات الإشراف والمراقبة، إضافة إلى تعزيز التواصل مع الفاعلين الخاضعين لواجب التصريح. وقد ساهم هذا التنسيق في تحسين جودة المعلومات المتداولة وتسريع معالجة الملفات.
وسجلت التصريحات المرتبطة بغسل الأموال نموا لافتا مقارنة بتصريحات تمويل الإرهاب، التي ظلت محدودة عدديا، رغم استمرار رصدها ضمن منظومة التتبع. ويعكس هذا التفاوت طبيعة المخاطر السائدة، حيث تظل الجرائم المالية المرتبطة بالاحتيال والتزوير وإخفاء العائدات غير المشروعة في صدارة التهديدات، خاصة في ظل توسع المعاملات الرقمية وتعدد قنوات تحويل الأموال.
و احتل القطاع البنكي موقع الصدارة ضمن الجهات المصرحة بالاشتباه، نظرا للدور المحوري الذي تلعبه المؤسسات البنكية في رصد التدفقات المالية غير الاعتيادية، بحكم احتكاكها اليومي بالمعاملات والحسابات. كما برزت مؤسسات الأداء وخدمات تحويل الأموال كفاعل أساسي في منظومة التبليغ، في ظل توسع استخدامها من قبل فئات واسعة من المواطنين والمقيمين.
وفي تحول لافت، أظهر القطاع غير المالي التزاما متزايدا بواجب التصريح، بعدما سجل ارتفاعا كبيرا في عدد الإشعارات الواردة من المهن والأنشطة غير المالية الخاضعة للمراقبة. ويعزى هذا التطور إلى برامج التكوين والمواكبة التي استهدفت هذه الفئات، وساهمت في رفع مستوى الوعي بالمخاطر القانونية والمالية المرتبطة بغسل الأموال.
وعلى مستوى التصريحات التلقائية الصادرة عن الشركاء المؤسساتيين، برز دور النيابة العامة كفاعل رئيسي، إلى جانب قطاعات حكومية وهيئات رقابية أخرى، ما يعكس اتساع دائرة الانخراط في محاربة الجريمة المالية. كما تم توجيه عشرات الطلبات إلى مؤسسات عمومية وخاصة من أجل استكمال المعطيات وتحليل الملفات، في إطار مقاربة تشاركية تهدف إلى تعزيز فعالية التحريات المالية.
وساهم الولوج المباشر إلى قواعد بيانات استراتيجية، من بينها المعطيات الجمركية، والسجلات المتعلقة بالمستفيدين الفعليين من الشركات، والحسابات البنكية، في تسريع وتيرة التحليل وتحسين دقته. كما شكل تبادل المعلومات مع سلطات إنفاذ القانون ركيزة أساسية لإجراء تحقيقات مالية موازية، تواكب المساطر القضائية وتدعمها بالأدلة التقنية.
في المقابل، ارتفع عدد طلبات المعلومات الموجهة إلى الأشخاص الخاضعين، في مؤشر على تعمق عمليات التدقيق والتحري، واتساع نطاق الملفات التي تخضع للمعالجة. ويعكس هذا المسار توجها رسميا نحو تعزيز الشفافية المالية، وتجفيف منابع الأموال غير المشروعة، وحماية الاقتصاد الوطني من مخاطر التبييض والاختراق المالي.
بذلك، يظهر أن المغرب يسير في اتجاه ترسيخ منظومة أكثر صرامة وفعالية في مواجهة غسل الأموال، قائمة على التنسيق المؤسساتي، وتطوير آليات المراقبة، والانفتاح على التحولات التي تعرفها الجريمة المالية، بما يوازن بين متطلبات الأمن المالي واحترام الضمانات القانونية.