البام” يؤجل مجلسه الوطني و بركة يهاجم الريع و”الفراقشية”

0

يشهد المشهد السياسي المغربي لحظة دقيقة تتقاطع فيها حسابات التنظيم مع رهانات التحالف، وتتعانق فيها القرارات الصامتة مع الإشارات العالية النبرة. فإعلان عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية جديدة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار لم يكن مجرد خطوة داخلية عادية، بل تحوّل إلى حدث سياسي أربك مكونات الأغلبية الحكومية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة التموضع المبكر، قبل سنوات من موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

هذا القرار أحدث فراغًا محسوبًا في قيادة الحزب الذي تصدّر المشهد منذ انتخابات 2021، وقاد الحكومة في ظرفية اقتصادية واجتماعية صعبة. ومع إطلاق “الأحرار” رسميًا مسطرة الترشيح لخلافة أخنوش، وتحديد يوم 28 يناير كآخر أجل لإيداع الترشيحات، دخلت الساحة السياسية في إيقاع متسارع، حيث لم يعد الزمن الانتخابي بعيدًا كما كان يُتصوَّر، بل بات حاضرًا في كل خطوة تنظيمية وكل خطاب حزبي.

في هذا السياق، جاء قرار حزب الأصالة والمعاصرة بتأجيل انعقاد مجلسه الوطني من 24 إلى 31 يناير ليحمل أكثر من معنى. فالتأجيل لا يبدو تقنيًا أو لوجستيًا فحسب، بل يعكس رغبة الحزب في انتظار ما ستسفر عنه معركة الخلافة داخل “الأحرار”، قبل الحسم في اختياراته الاستراتيجية، سواء على مستوى الخطاب أو التحالفات أو حتى ترتيب بيته الداخلي. هكذا اختار “البام” موقع المراقب الحذر، مفضّلًا أن يرى ملامح القيادة المقبلة لدى شريكه في الحكومة قبل أن يبعث برسائله السياسية الكبرى.

محللون يرون في هذه الخطوة تعبيرًا عن وعي مبكر بأن مرحلة ما بعد أخنوش لن تكون امتدادًا بسيطًا لما قبلها. فشخصية رئيس الحزب الجديد، وخلفيته السياسية، وأسلوبه في إدارة العلاقات داخل الأغلبية، ستحدد إلى حد كبير طبيعة التوازنات المقبلة. لذلك يحرص “البام” على امتلاك صورة أوضح عن “الخصم الشريك”، قبل اتخاذ قرارات قد تكون مكلفة إذا اتضح لاحقًا أنها غير منسجمة مع الواقع الجديد.

بهذا المعنى، يصبح تأجيل مجلس “البام” جزءًا من لعبة انتظار تهدف إلى كسب أفضلية تكتيكية في لحظة إعادة تشكيل الأوراق. فالأحزاب الكبرى لم تعد تشتغل بمنطق الدورة الانتخابية وحدها، بل بمنطق السباق الطويل الذي يبدأ قبل رفع الصافرة بوقت طويل. وكل خطوة تنظيمية اليوم تُقرأ باعتبارها تمهيدًا لمعارك الغد، واختبارًا أوليًا لحدود النفوذ والمناورة.

في مقابل هذا الحراك الصامت داخل الأغلبية، اختار حزب الاستقلال رفع منسوب الخطاب النقدي عبر أمينه العام نزار بركة، الذي شن هجومًا مباشرًا على ما سماه “الفراقشية” وممارسات الريع والجشع و”باك صاحبي”، مستنكرًا ما اعتبره تلاعبًا بقوت المغاربة اليومي، وربحًا سريعًا على حساب المواطنات والمواطنين والأجيال المقبلة.

خطاب بركة، خلال لقاء حزبي، لم يكن معزولًا عن السياق العام، بل جاء كرسالة سياسية مزدوجة: موجهة للرأي العام من جهة، ولشركاء الحكومة من جهة أخرى. فقد استحضر تجمعًا شبابيًا نظمه الحزب في بوزنيقة يوم 31 أكتوبر الماضي، حيث عبّر شباب الاستقلال عن رفضهم لمنطق المضاربة والامتيازات غير المشروعة، وعن تطلعهم إلى “مغرب السرعة الواحدة”، بدل نموذج تنموي يجعل بعض المناطق تتقدم فيما تبقى أخرى عالقة في الهامش.

هذا الخطاب أعاد إلى الواجهة البعد الاجتماعي في النقاش السياسي، مركزًا على اتساع الفوارق، وترك مئات الآلاف من الشباب دون تكوين أو عمل أو أفق، وعلى تراجع القيم والسلوك المدني، وانحسار روح الصالح العام. وبركة، وهو يستثمر هذه اللغة، بدا وكأنه يستبق مرحلة ما بعد إعادة ترتيب الأغلبية، ساعيًا إلى تثبيت موقع حزبه كصوت ناقد من داخل الحكومة، قادر على مخاطبة الفئات المتضررة من التحولات الاقتصادية.

لم يتوقف الهجوم عند حدود الوصف الأخلاقي، بل تجاوزها إلى مساءلة النموذج الاقتصادي نفسه، حين اعتبر أن تحويل المال إلى بوصلة المجتمع، وتقديم الجشع والربح السريع على حساب الحقوق، يمس مقومات السيادة والاستدامة والصمود أمام الأزمات. وهو خطاب ينسجم مع تطلعات شريحة واسعة من الشباب التي تطالب بالمساواة وتكافؤ الفرص، بين النساء والرجال، وبين المدن والقرى، وبين الجهات.

بهذا المعنى، لا يمكن فصل نبرة بركة عن التحولات الجارية داخل الأغلبية. فبين تأجيل “البام” وترقب “الأحرار” لمعركة الخلافة، يختار الاستقلال التموقع في واجهة النقاش العمومي، واضعًا نفسه في موقع من يرفع السقف الأخلاقي والاجتماعي للخطاب السياسي. إنها إعادة توزيع للأدوار داخل التحالف الحكومي، حيث يراهن كل طرف على ترسيخ صورته قبل الدخول في المرحلة الحاسمة.

ما يجري اليوم ليس مجرد تفاصيل تنظيمية، بل ملامح فصل جديد من المنافسة المبكرة. انسحاب أخنوش فتح الباب أمام أسئلة كبرى حول قيادة “الأحرار” وتوازنات الأغلبية، وتأجيل “البام” يعكس حذرًا استراتيجيًا، فيما هجوم بركة يعيد الاعتبار للبعد الاجتماعي ويضع الريع والجشع في قفص الاتهام. إنها لحظة تشكّل بطيئة، تُعاد فيها هندسة المواقع، ويختبر فيها كل حزب قدرته على قراءة المستقبل قبل أن يصبح حاضرًا ملزمًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.