المعارضة: صفقات الصحة وتضارب المصالح تهديد للحماية الاجتماعية

0

 

عاد الجدل بقوة إلى قبة البرلمان حول مشروع دمج أنظمة التأمين الصحي في هيئة موحدة، بعدما ربط مصطفى إبراهيمي، النائب البرلماني عن المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، هذا التوجه بما سماه “إعادة هندسة سوق الصحة لفائدة لوبيات نافذة”، محذرا من أن المشروع لا يعالج أعطاب المنظومة بقدر ما يوفر غطاء قانونيا لإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل قطاع يدر مليارات الدراهم سنويا.

وخلال مناقشة المشروع في جلسة تشريعية، اعتبر إبراهيمي أن الحكومة اختارت “لغة الخشب” ورفضت كل التعديلات المقترحة دون استثناء، سواء من الأغلبية أو المعارضة، في مشهد يعكس منطق الأغلبية العددية بدل النقاش العمومي المسؤول حول إصلاح حساس يمس صحة وحقوق ملايين المغاربة. وأوضح أن منظومة التأمين الصحي بالمغرب تضم عشرات الفاعلين من صناديق داخلية بالمؤسسات العمومية، وتعاضديات، وشركات تأمين خاصة، ومع ذلك لم تتحرك الحكومة لإخضاعها جميعا لنفس المنطق، متسائلا عن سبب استهداف نظام بعينه دون غيره.

بالنسبة لإبراهيمي، الجواب يوجد في قلب سوق الصحة، حيث تتحكم شبكات المصالح في مسارات الدواء والصفقات العمومية. وسجل أن العجز المالي المتراكم لا يعود فقط إلى اختلالات التدبير، بل يرتبط بشكل مباشر بارتفاع غير مبرر في كلفة العلاج والأدوية. وأكد أن غلاء الدواء هو العامل الأول في استنزاف موارد التأمين الصحي، متسائلا عن سبب غياب تحقيقات رسمية في آليات التسعير وفي الصفقات التي تمر عبر وزارة الصحة، رغم ما يثار باستمرار حول تضارب المصالح واستفادة فاعلين بعينهم من قرارات تنظيمية وطلبيات عمومية.

وأشار البرلماني إلى أن الوزارة الوصية لم تقدم إلى اليوم أجوبة واضحة حول هذه الاتهامات، ولا حول مشاركة مسؤولين حكوميين في صفقات أثرت بشكل مباشر على السوق، وأسهمت في تحسين وضعية شركات كانت تعاني اختلالات مالية. واعتبر أن الصمت الرسمي إزاء هذه الأسئلة يكرس شعورا عاما بأن الإصلاحات المعلنة ليست سوى واجهة لإعادة ترتيب السوق وفق ميزان القوى بين اللوبيات، لا وفق مصلحة المؤمنين ولا منطق الحق في الصحة.

وحذر إبراهيمي من أن إلغاء النظام الحالي يعني عمليا إلغاء منظومته التنظيمية وما راكمه من حقوق مكتسبة لفائدة الموظفين وذويهم، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف سلة العلاجات وشروط الاستفادة بمنطق محاسباتي محض. كما انتقد إلغاء التأمين الصحي المجاني لفائدة حوالي 650 ألف طالب، معتبرا أن الحكومة نقلت عبء الحماية الاجتماعية إلى الفئات الهشة وربطته بمؤشرات تقنية بدل اعتباره حقا اجتماعيا أصيلا. وتساءل عن معنى الحكامة في ظل تمثيلية أرباب العمل داخل مجالس الإدارة بما يمنحهم سلطة تقريرية في مصير الأجراء والموظفين.

في الاتجاه ذاته، اعتبرت نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب أن ما يجري اليوم في قطاع الصحة والحماية الاجتماعية يعكس أزمة ثقة عميقة، تغذيها صفقات غير شفافة وتضارب مصالح غير محقق فيه، واستغلال واضح لغياب المساءلة. وأكدت النقابة أن الغلاء المتصاعد وتجميد الأجور وضعف الإجراءات الاجتماعية ليس سوى الوجه الاجتماعي لمنظومة اقتصادية تهيمن عليها لوبيات، وعلى رأسها لوبي الأدوية، الذي يستفيد من اختلالات التسعير ومن غياب مراقبة فعالة لسلاسل التوريد والاقتناء العمومي.

وفي بيان لمكتبها الوطني، نبهت النقابة إلى أن تجميد الحوار الاجتماعي وتعليق المفاوضة الجماعية يتزامن مع تسارع قرارات استراتيجية تمس الحماية الاجتماعية دون إشراك فعلي للفاعلين الاجتماعيين. واعتبرت أن أي دمج في هذا السياق، ودون نقاش عمومي شفاف، يثير مخاوف مشروعة من تحويل ورش الحماية الاجتماعية إلى أداة لتجميع الموارد في يد بنية واحدة يسهل التأثير عليها من طرف شبكات المصالح.

وأبرزت النقابة أن الخطر لا يكمن فقط في البعد المالي، بل في تراجع محتمل لجودة الخدمات الصحية، وفي إعادة تعريف الحقوق وفق منطق السوق بدل منطق العدالة الاجتماعية. وحذرت من أن الدمج، إذا لم يستند إلى دراسة تقنية مستقلة وشفافة، قد يقود إلى اختلالات بنيوية تفرغ المشروع من بعده الإنساني، وتحوّل التغطية الصحية إلى مجرد آلية لتدبير المخاطر المالية بدل حماية المواطنين.

كما ربطت النقابة بين هذا المسار والغموض الذي يلف إصلاح أنظمة التقاعد، معتبرة أن الحكومة تتجنب فتح نقاش وطني شامل حول مصادر الاختلال، وتختار بدل ذلك الحل الأسهل اجتماعيا: تحميل الكلفة للشغيلة عبر رفع سن التقاعد أو الاقتطاعات أو تقليص المعاشات. وشددت على أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يمر عبر توسيع قاعدة المنخرطين، ومحاربة التهرب من التصريح، وتنويع مصادر التمويل، وإرساء حكامة شفافة تقطع مع تضارب المصالح وتعيد الثقة في المؤسسات.

واحتجت النقابة أخيرا على إقصائها من التمثيلية داخل عدد من الهيئات الوطنية المرتبطة بقضايا الشغل والحماية الاجتماعية، معتبرة أن هذا الإقصاء ليس معزولا عن سياق عام يروم تحييد الأصوات المزعجة، وترك المجال مفتوحا أمام قرارات كبرى تمس الصحة والحماية الاجتماعية دون رقابة اجتماعية حقيقية، في وقت تتسع فيه الهوة بين الخطاب الرسمي وواقع الصفقات والمصالح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.