ارتفاع جرائم الفساد المالي بالمغرب : 1407 قضية سنة 2025 بزيادة 60 في المائة في عام واحد
كشفت المعطيات الرسمية التي قدمها رئيس النيابة العامة، هشام البلاوي، خلال افتتاح السنة القضائية 2026، عن منحى تصاعدي مقلق في قضايا الفساد المالي بالمغرب، حيث ارتفع عدد القضايا المسجلة لدى أقسام الجرائم المالية من 874 قضية سنة 2024 إلى 1407 قضايا خلال سنة 2025، أي بزيادة تفوق 60 في المائة في ظرف عام واحد. هذا الارتفاع يعكس من جهة اتساع رقعة الجرائم ذات الطابع المالي، ومن جهة أخرى نجاعة أكبر في الرصد والتبليغ والمتابعة.
ومن بين الآليات التي ساهمت في هذا التحول، يبرز “الخط المباشر” الذي أحدثته رئاسة النيابة العامة للتبليغ عن الرشوة والفساد. فقد مكنت هذه الآلية خلال سنة 2025 وحدها من ضبط 60 مشتبهًا فيه في حالة تلبس، فيما بلغ مجموع الحالات المسجلة منذ اعتمادها في أبريل 2018 ما مجموعه 420 حالة. وهو ما يؤكد أن هذه الوسيلة أصبحت أداة فعالة في إشراك المواطنين في محاربة الفساد وتعزيز الثقة في العدالة.
وفي السياق ذاته، توصلت رئاسة النيابة العامة خلال السنة الماضية بـ12 تقريرًا صادرا عن المجلس الأعلى للحسابات، جرى إحالتها جميعًا على النيابات العامة المختصة قصد فتح التحقيق واتخاذ المتعين قانونًا بشأنها. ويعكس هذا التنسيق المتزايد بين مؤسسات الرقابة والقضاء توجهًا واضحًا نحو تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل التقارير الرقابية مدخلًا فعليًا للمساءلة القضائية.
أما على مستوى مكافحة غسل الأموال والجرائم المرتبطة بها، فقد سجلت المحاكم الابتدائية الأربع المختصة 839 قضية خلال سنة 2025، مقابل 801 قضية في السنة التي سبقتها. ورغم أن الزيادة تبدو محدودة نسبيًا، فإنها تؤشر على تنامي هذا النوع من الجرائم المرتبط غالبًا بالاقتصاد غير المهيكل وبالشبكات الإجرامية العابرة للقطاعات.
وفي إطار السعي إلى ضمان الأمن القانوني والاقتصادي للفاعلين الاقتصاديين وتحسين مناخ الأعمال، أبرز رئيس النيابة العامة أن النيابات العامة لدى المحاكم التجارية انخرطت خلال سنة 2025 في مبادرات عملية تروم توفير بيئة مشجعة للاستثمار وحمايته. فقد تقدمت بما مجموعه 177 طلبًا يتعلق بمساطر صعوبات المقاولة، مقابل 144 طلبًا سنة 2024، أي بزيادة تناهز 10 في المائة. كما ارتفع عدد الطلبات الرامية إلى تطبيق العقوبات المدنية في حق المسيرين الذين ارتكبوا أخطاء في التسيير من 27 طلبًا سنة 2024 إلى 47 طلبًا خلال سنة 2025، وتشمل هذه العقوبات تحميل خصوم المقاولة أو سقوط الأهلية التجارية.
وإلى جانب ذلك، قدمت النيابات العامة ما يقارب 1808 ملتمسًا كتابيًا يهم مختلف مراحل مساطر صعوبات المقاولة، كما أحالت 19 تقريرًا يتعلق بارتكاب المسيرين لجرائم التفالس أو غيرها من الجرائم المعاقب عليها بموجب مدونة التجارة على النيابات العامة المختصة لتحريك المتابعات الجنائية. وهي أرقام تعكس انتقال دور النيابة العامة من مجرد متابع للمساطر إلى فاعل مركزي في حماية النسيج الاقتصادي وضمان استمرارية المقاولات.
على مستوى التدبير اليومي لقضايا المواطنين، أفاد هشام البلاوي أن النيابات العامة لدى مختلف المحاكم المغربية سجلت خلال سنة 2025 ما مجموعه 574 ألفًا و972 شكاية، أنجز منها 525 ألفًا و381 شكاية، بنسبة إنجاز بلغت 91 في المائة. وتوزعت هذه الشكايات بين 29 ألفًا و499 شكاية لدى محاكم الاستئناف، صُفي منها 27 ألفًا و651، بنسبة إنجاز بلغت 94 في المائة، وبين 545 ألفًا و473 شكاية لدى المحاكم الابتدائية، صُفي منها 497 ألفًا و730 شكاية، بنسبة 91 في المائة.
وتعكس هذه الأرقام قدرة متزايدة على معالجة حجم كبير من الملفات في آجال معقولة، بما يعزز ثقة المرتفقين في مؤسسة النيابة العامة ويحد من الإحساس بالتراكم والبطء في معالجة الشكايات. كما تشكل هذه النتائج مؤشرًا على تحسن آليات التنظيم الداخلي والتتبع، خاصة في ظل الضغط المتزايد على المرافق القضائية.
أما بخصوص تدبير المحاضر الرائجة أمام النيابات العامة، فقد بلغ عددها خلال سنة 2025 ما مجموعه مليونين و496 ألفًا و240 محضرًا، أنجز منها مليونان و320 ألفًا و92 محضرًا. وتتوزع هذه المحاضر بين محاكم الاستئناف التي راج بها 88 ألفًا و925 محضرًا، أنجز منها 84 ألفًا و178 بنسبة تفوق 95 في المائة، وبين المحاكم الابتدائية التي بلغ عدد المحاضر الرائجة بها مليونين و407 آلاف و315 محضرًا، أنجز منها مليونان و235 ألفًا و914 بنسبة إنجاز تناهز 93 في المائة.
وفي سياق التحول الرقمي، تم تسجيل حوالي 815 ألفًا و260 محضرًا إلكترونيًا يتعلق بمخالفات السير، جرى اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بشأنها. ويبرز هذا الرقم حجم الرهان على الرقمنة كرافعة لتبسيط المساطر وتسريع المعالجة والحد من الأخطاء، بما يساهم في تحديث العدالة وجعلها أكثر قربًا وفعالية.
مجمل هذه المعطيات تؤكد أن سنة 2025 شكلت محطة مفصلية في مسار النيابة العامة، سواء على مستوى محاربة الفساد المالي والجرائم الاقتصادية، أو من حيث الرفع من نجاعة تدبير الشكايات والمحاضر. وهي مؤشرات تعكس إرادة مؤسساتية واضحة لتعزيز دولة القانون، وترسيخ الثقة في العدالة، وجعلها ركيزة أساسية للتنمية والاستقرار.