الجمارك: رصد أطنان من السلع المشبوهة مهيأة للترويج في رمضان
تدخل الأجهزة الرقابية في سباق مع الزمن لحماية موائد المغاربة من أخطار غير مرئية، مصدرها شبكات منظمة جعلت من تهريب المواد الغذائية وترويجها تجارة مربحة، ولو كان الثمن صحة المواطنين وسلامتهم. في الكواليس، تتحرك فرق متخصصة بأسلوب هادئ وحازم، واضعة نصب أعينها مستودعات سرية تنتشر في محيط المدن الكبرى، حيث تُخزن أطنان من السلع المشبوهة في ظروف لا تحترم أدنى معايير السلامة.
هذه الشبكات لا تشتغل بعشوائية؛ بل تعتمد أساليب دقيقة في التمويه، أبرزها فبركة فواتير تحمل أسماء شركات وطنية وأجنبية، وتوقيعات وأختام توحي بالشرعية. الهدف واضح: “تبييض” سلع مهربة، وإلباسها ثوب القانون في حال المداهمة. في مرات سابقة، كانت هذه الحيلة كافية لإرباك عمليات الضبط، وتحويل الملف من تهريب وجريمة اقتصادية إلى مجرد حيازة مواد غير صالحة للاستهلاك، بعقوبات محدودة لا تعكس حجم الخطر.
رمضان بالنسبة لهذه الشبكات ليس شهرا روحيا، بل موسما تجاريا من الدرجة الأولى. ارتفاع الطلب، وتسارع وتيرة الاستهلاك، وضغط الأسعار في الأسواق، كلها عوامل تُستغل لتصريف أكبر كمية ممكنة من السلع في وقت قياسي. ولهذا تتركز أنشطتهم ليلا، عبر شاحنات صغيرة ومسارات توزيع محكمة، تغذي محلات ومطاعم وأسواقا شعبية، حيث يصعب على المستهلك تتبع مصدر السلعة أو التحقق من تاريخها الحقيقي.
في الأحياء الهامشية وضواحي المدن الكبرى، تتحول مستودعات عشوائية إلى قلب نابض لهذه التجارة الخطرة. هناك، تُخزن لحوم مجمدة وأسماك وأجبان ومنتجات أخرى في ظروف تفتقر إلى التبريد والمراقبة، بعضها منتهٍ الصلاحية، وبعضها مجهول المصدر. وفي ظل موجات الغلاء المتتالية، يجد كثير من المواطنين أنفسهم مدفوعين لشراء الأرخص، غير مدركين أن هذا “التوفير” قد يكون مدخلا لأمراض ومضاعفات صحية خطيرة.
القلق لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى السوق ككل. فانتشار هذه السلع يضرب المنافسة الشريفة، ويضر بالفاعلين الملتزمين بالقانون، ويخلق اقتصادا موازيا قائما على الغش والتزوير. والأسوأ من ذلك، أنه يقوض الثقة في فضاءات البيع، ويدفع المستهلكين إلى الارتياب في كل منتج، حتى ولو كان سليما.
في مواجهة هذا الواقع، تُحضّر الأجهزة المختصة لعمليات مداهمة تعتمد مقاربة مختلفة، قوامها التحقق الفوري من الوثائق، وربطها بقواعد معطيات دقيقة، للتأكد من وجود الشركات المصدرة للفواتير ومن قانونية المعاملات. لم يعد كافيا العثور على السلع داخل المستودعات، بل أصبح المطلوب تتبع مسارها منذ لحظة دخولها التراب الوطني، مرورا بتخزينها، وصولا إلى توزيعها في الأسواق.
هذه المقاربة الجديدة تهدف إلى سد الثغرات التي سمحت في السابق للمتورطين بالإفلات من العقاب، وتحويل الملفات إلى قضايا تهريب وتزوير كاملة الأركان، لا مجرد مخالفات صحية. كما تراهن على تفكيك الشبكات بدل الاكتفاء بحجز السلع، عبر تحديد الأسماء والهويات، والكشف عن الروابط الخفية بين أفراد يعملون ظاهريا بشكل منفصل، لكنهم في الواقع يشكلون حلقات ضمن سلسلة واحدة.
الرهان أكبر من مجرد حملات موسمية. فحماية المستهلك تقتضي استمرارية في المراقبة، وتنسيقا بين مختلف المتدخلين، من صحة وفلاحة وأمن وسلطات محلية. وهي أيضا معركة وعي، لأن جزءا من المشكلة مرتبط بسلوكيات استهلاكية تبحث عن الأرخص دون طرح الأسئلة الضرورية حول المصدر والجودة.
رمضان، بما يحمله من رمزية روحية واجتماعية، يفترض أن يكون موسما للطمأنينة، لا مناسبة لتسلل الخطر إلى البيوت عبر موائد الإفطار. وتشديد الخناق على شبكات التهريب ليس فقط إجراء أمنيا أو اقتصاديا، بل فعل أخلاقي يحمي حقا أساسيا: حق المواطن في غذاء آمن. فحين تتحول لقمة العيش إلى احتمال مرض، يصبح التصدي لهذه الظاهرة مسؤولية جماعية، تبدأ من الدولة، ولا تنتهي عند المستهلك نفسه