غلاء الخضر والفواكه يشعل الجدل بالبرلمان
تتواصل موجة الغلاء التي تعرفها أسعار الخضر والفواكه في الأسواق المغربية، لتبلغ خلال الأسابيع الأخيرة مستويات غير مسبوقة أثقلت كاهل الأسر، خاصة ذات الدخل المحدود والمتوسط، وأثرت بشكل مباشر على قدرتها الشرائية. هذا الوضع دفع المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، إلى دق ناقوس الخطر داخل المؤسسة التشريعية، محذرة من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لهذا الارتفاع القياسي.
وفي سؤال كتابي وجهته إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، اعتبرت أن القفزة المفاجئة في أسعار الخضر والفواكه تطرح تساؤلات مشروعة حول اختلال آليات ضبط السوق، ومدى نجاعة إجراءات المراقبة والتتبع المعتمدة، خاصة في ظل استمرار الفوارق الكبيرة بين أسعار مناطق الإنتاج وأسواق الاستهلاك. وأكدت أن هذه الفوارق لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل النقل أو التوزيع، بل تعكس في نظرها اختلالات بنيوية في مسالك التسويق، وتغول دور الوسطاء والمضاربين.
و شددت على أن الغلاء الحالي لا يمس فقط سلة الغذاء اليومية للمواطنين، بل ينعكس على الأمن الغذائي للأسر، ويعمق الإحساس بعدم الاستقرار الاجتماعي. وتسائلت عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الارتفاع القياسي، مطالبة بالكشف عن التدابير المستعجلة التي تعتزم الوزارة اتخاذها للحد من المضاربة وضمان استقرار الأسعار، كما استفسرت عن مدى تفعيل آليات المراقبة والزجر في حق المتلاعبين بالأسعار والمسالك التجارية، وعن الإجراءات المعتمدة لحماية القدرة الشرائية وتحقيق التوازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين.
ويأتي هذا التحرك البرلماني في سياق يتسم بتنامي القلق المجتمعي من الغلاء، حيث باتت الخضر والفواكه، التي كانت في متناول أغلب الأسر، تشكل عبئا إضافيا في ميزانيات شهرية تعاني أصلا من ضغط تكاليف المعيشة. ففي العديد من المدن والأسواق، سجل المواطنون زيادات لافتة في أثمان الطماطم والبطاطس والبصل، إضافة إلى الفواكه الموسمية، ما جعل هذه المواد الأساسية موضوع حديث يومي في البيوت والأسواق ووسائل التواصل .
تدعم الأرقام الرسمية هذا الإحساس المتزايد بالغلاء. فقد أفادت المندوبية السامية للتخطيط بأن الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك سجل خلال شهر شتنبر 2025 ارتفاعا بنسبة 0,2 في المائة مقارنة مع الشهر السابق. ويعود هذا الارتفاع إلى تزايد الرقم الاستدلالي للمواد الغذائية والمواد غير الغذائية بالنسبة نفسها.
وأبرزت المندوبية أن الزيادات المسجلة ما بين شهري غشت وشتنبر 2025 همت على الخصوص أثمان “الخضر” بنسبة 2,6 في المائة و“الفواكه” بنسبة 0,5 في المائة و“اللحوم” بـ0,4 في المائة، إلى جانب “الخبز والحبوب” و“الحليب والجبن والبيض” و“القهوة والشاي والكاكاو” بـ0,1 في المائة. في المقابل، سجلت بعض المواد انخفاضا، مثل “الزيوت والدهنيات” بـ2,1 في المائة و“السمك وفواكه البحر” بـ0,6 في المائة، كما تراجعت أثمان “المحروقات” بـ2,2 في المائة ضمن المواد غير الغذائية.
وعلى المستوى الجغرافي، أظهرت المعطيات تفاوتا ملحوظا بين المدن، حيث سجل الرقم الاستدلالي أهم الارتفاعات في الرشيدية بـ0,9 في المائة، وفي العيون بـ0,6 في المائة، وفي الرباط بـ0,5 في المائة، وفي الدار البيضاء والداخلة وكلميم وبني ملال بـ0,4 في المائة، بينما سجلت انخفاضات في الحسيمة ومكناس وفاس والقنيطرة وطنجة وتطوان بنسب متفاوتة.
وبالمقارنة مع نفس الشهر من السنة السابقة، سجل الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك ارتفاعا بـ0,4 في المائة خلال شهر شتنبر 2025، نتج عن تزايد أثمان المواد الغذائية بـ0,5 في المائة وأثمان المواد غير الغذائية بـ0,4 في المائة. وتراوحت نسب التغير في المواد غير الغذائية بين انخفاض بـ2,4 في المائة في “النقل” وارتفاع بـ2,9 في المائة في “المطاعم والفنادق”. أما مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستثني المواد ذات الأثمان المحددة والمواد ذات التقلبات العالية، فقد عرف استقرارا مقارنة مع شهر غشت، وارتفاعا بـ0,3 في المائة مقارنة مع شتنبر 2024.
هذه الأرقام، وإن بدت محدودة في نسبها العامة، تعكس في الواقع ضغطا متزايدا على القدرة الشرائية، لأن الزيادات تتركز في مواد أساسية تمس الحياة اليومية للمواطنين. وهو ما يعيد إلى الواجهة مطلب إصلاح مسالك التسويق، وتشديد الرقابة على الوسطاء، واعتماد سياسات أكثر نجاعة لضمان عدالة الأسعار بين المنتج والمستهلك، حتى لا يتحول الغذاء اليومي إلى عبء ثقيل يهدد التوازن الاجتماعي ويعمق الفوارق داخل المجتمع.