إدارة الدفاع الوطني: تصاعد الهجمات السيبرانية ضد المغرب
يشهد الفضاء الرقمي المغربي في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة الهجمات السيبرانية التي تستهدف نظم المعلومات الخاصة بمؤسسات عمومية وهيئات ذات أهمية استراتيجية، في سياق دولي وإقليمي يتسم بتنامي المخاطر الرقمية وتعقّد أساليب الاختراق. هذا الواقع المتحول دفع المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، التابعة لإدارة الدفاع الوطني، إلى إطلاق تحذير رسمي يؤكد أن التهديدات لم تعد معزولة أو ظرفية، بل أصبحت متكررة ومنظمة، ويواكبها في كثير من الأحيان تداول واسع لمعلومات غير دقيقة أو مبالغ فيها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
وترى المديرية أن هذا المناخ المشحون بالإشاعات والمعطيات غير الموثوقة يضاعف من خطورة الوضع، لأنه يربك الرأي العام ويؤثر على صورة المؤسسات، وقد يؤدي إلى تضخيم بعض الحوادث أو التقليل من شأن أخرى، بما يخلّ بتقدير الحجم الحقيقي للتهديدات. غير أن الأخطر، بحسب التقييم الرسمي، يتمثل في كون عدد من الإدارات والهيئات المعنية لا تلتزم بالتصريح المنتظم والفوري بالحوادث السيبرانية التي تتعرض لها، أو تتأخر في مد السلطة الوطنية للجهات المختصة بالمعطيات التقنية الضرورية.
هذا السلوك، وإن بدا في ظاهره إجرائيًا، إلا أن انعكاساته استراتيجية. فالتأخر في الإبلاغ يحرم الدولة من رؤية شاملة ودقيقة لخريطة المخاطر الرقمية، ويضعف نجاعة تدبير الأزمات على المستوى الوطني، كما يعرقل عمليات التتبع والتحقيق وتحديد مصادر الهجمات وأنماطها. وفي عالم رقمي تحكمه السرعة والتشابك، قد تعني دقائق التأخير اتساع دائرة الضرر، أو انتقال العدوى إلى أنظمة أخرى مترابطة.
وانطلاقًا من هذا التشخيص، شددت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات على الطابع الإلزامي للتصريح الفوري بكل حادث من شأنه المساس بأمن أو بسير نظم المعلومات الخاصة بالإدارات العمومية أو البنيات التحتية ذات الأهمية الحيوية. ويشمل ذلك مختلف أشكال الهجمات، من محاولات الاختراق وتسريب المعطيات، إلى تعطيل الخدمات أو العبث بالأنظمة. فالمنظومة القانونية الوطنية تجعل من الإبلاغ واجبًا مؤسساتيًا، لا خيارًا تقديريًا، باعتباره حجر الزاوية في بناء سياسة فعالة للأمن السيبراني.
وأكدت المديرية أن عملية التصريح يجب أن تتم حصريًا عبر القنوات الآمنة والاستمارات المخصصة لهذا الغرض، بما يضمن سرية المعطيات وحسن تدبير الحوادث، ويتيح في الوقت نفسه تفعيل آليات الرصد والاستجابة السريعة. فالتصريح ليس مجرد إجراء إداري، بل هو مدخل عملي لتعبئة الخبرات التقنية، وتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، والحد من آثار الهجوم قبل تحوله إلى أزمة واسعة النطاق.
ويعكس هذا التوجه وعيًا متزايدًا لدى الدولة بأن الأمن السيبراني لم يعد شأنًا تقنيًا محضًا، بل أصبح ركيزة من ركائز السيادة الوطنية. فالمؤسسات العمومية، كما البنيات الحيوية المرتبطة بالطاقة والماء والنقل والاتصال والخدمات الأساسية، تعتمد بشكل متزايد على الأنظمة الرقمية في تدبير شؤونها اليومية. وأي خلل في هذه الأنظمة قد تكون له تداعيات مباشرة على حياة المواطنين، وعلى استمرارية المرافق الحيوية، وعلى الثقة العامة في الدولة.
كما أن المغرب، المنخرط في مسار التحول الرقمي وتحديث الإدارة، بات أكثر عرضة لمثل هذه التهديدات بحكم توسع قاعدة الاستعمال الرقمي، وتزايد حجم المعطيات المتداولة إلكترونيًا. وهو ما يجعل من بناء ثقافة مؤسساتية للأمن السيبراني ضرورة ملحة، تبدأ بالوعي بخطورة المخاطر، وتمر عبر احترام المساطر القانونية، وتنتهي بتبني ممارسات وقائية يومية داخل الإدارات.
وفي هذا السياق، دعت المديرية مختلف المتدخلين إلى الانخراط الفعلي والتعاون المسؤول من أجل تقوية حماية نظم المعلومات، والمساهمة في الرفع من مستوى الجاهزية السيبرانية للمملكة. فالتحدي لا يمكن مواجهته بمنطق الجزر المعزولة، بل يتطلب شبكة متماسكة من التنسيق والتبادل السريع للمعلومات والخبرات.
إن الرهان المطروح اليوم يتجاوز معالجة الحوادث بعد وقوعها، إلى بناء منظومة استباقية قادرة على التنبؤ بالمخاطر، ورصد المؤشرات المبكرة، وتحويل كل حادث إلى درس يعزز مناعة النظام ككل. وفي عالم تتداخل فيه الحدود الرقمية وتتعاظم فيه قدرات الفاعلين غير التقليديين، يصبح الالتزام بالتصريح الفوري أول خط دفاع في معركة صامتة، لكنها حاسمة، من أجل حماية الدولة والمجتمع في العصر الرقمي