100 مليار يورو تقديرات أولية لمداخيل الكان
يتجه الاقتصاد المغربي خلال سنتي 2025 و2026 نحو مرحلة تتسم بارتفاع مؤشرات الادخار والاستثمار والنمو، وفق معطيات رقمية تعكس تحوّلاً تدريجياً في بنيته وقدرته على تمويل التنمية. فمن المرتقب أن يبلغ الادخار الوطني الإجمالي حوالي 30,3 في المائة سنة 2026، بعد 29,6 في المائة سنة 2025 من الناتج الداخلي الإجمالي. كما يتوقع أن يستقر صافي المداخيل الخارجية في حدود 7 في المائة، في حين سيتعزز الادخار الداخلي ليصل إلى 22,7 في المائة سنة 2025 و23,3 في المائة سنة 2026.
هذه الأرقام ترتبط بدينامية نمو إسمي للناتج الداخلي الإجمالي تبلغ 6,7 في المائة سنة 2025 و6,3 في المائة سنة 2026، إلى جانب ارتفاع الاستهلاك النهائي الوطني بنسبة 5,7 في المائة و5,5 في المائة خلال السنتين ذاتهما. وهي مؤشرات تعكس تحسناً في الطلب الداخلي وحركية الاقتصاد، بما يعزز الثقة في قدرته على توليد الثروة وامتصاص الصدمات.
وبالموازاة مع ذلك، سيستقر معدل الاستثمار الإجمالي في حدود 32 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025 و32,2 في المائة سنة 2026، ما سينعكس على مستوى الحاجيات التمويلية التي سترتفع من 1,2 في المائة سنة 2024 إلى 2,4 في المائة سنة 2025، قبل أن تتراجع إلى 1,9 في المائة سنة 2026. ويعبّر هذا المنحى عن خيار واضح يتمثل في تسريع وتيرة الاستثمار حتى وإن تطلب ذلك تعبئة موارد إضافية في المدى القصير، بهدف بناء قاعدة إنتاجية أقوى في المستقبل.
في قلب هذه الدينامية، تبرز الاستثمارات المرتبطة بتنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 كنموذج ملموس لتحويل الأرقام الماكرو-اقتصادية إلى واقع اقتصادي حي. فقد حقق المغرب أكثر من مليار يورو كعائدات مباشرة من هذه التظاهرة، في رقم أولي يعكس حجم المداخيل السياحية والاقتصادية المرتبطة بالحدث. كما شهد النشاط الاستهلاكي خلال فترة البطولة ارتفاعاً عاماً يقارب 25 في المائة، في حين سجّل قطاع بيع السيارات نمواً لافتاً بلغ حوالي 35 في المائة.
ولم يقتصر الأثر على الرواج الظرفي، بل امتد إلى سوق الشغل، حيث تم خلق ما يقارب 100 ألف منصب شغل، ما يعكس قدرة التظاهرات الكبرى على تحريك الدورة الاقتصادية في قطاعات متعددة، من النقل والإيواء إلى التجارة والخدمات. وتكتسي هذه النتائج أهمية خاصة إذا ما وُضعت في سياق أوسع، إذ تمثل الاستثمارات المنجزة في إطار “الكان” نحو 80 في المائة من حجم الاستثمارات الرياضية التي يحتاجها المغرب لتنظيم كأس العالم 2030.
بهذا المعنى، لا تُختزل كأس أمم إفريقيا في كونها تكلفة مرتبطة بحدث رياضي، بل تندرج ضمن منطق استثماري ذي عائد مؤجل، مرتبط بمسار تنموي طويل الأمد. فالرهان لا ينحصر في مداخيل بضعة أسابيع، بل في بناء بنية تحتية مادية ورمزية تخدم الاقتصاد الوطني لعقود. وتنسجم هذه المقاربة مع أهداف النموذج التنموي الجديد في أفق 2035، ومع الاستحقاقات الكبرى المقبلة التي يتهيأ لها المغرب.
وتتجاوز القيمة الاقتصادية لهذه التظاهرات حدود الحسابات المباشرة لتشمل عناصر غير مادية لكنها حاسمة، مثل صورة البلاد في الخارج، ومصداقيتها التنظيمية، وثقة المستثمرين. فالإشعاع الذي تمنحه بطولة قارية بحجم “الكان” يعزز مكانة المغرب كدولة قادرة على احتضان أحداث عالمية كبرى، في سياق يعرف فيه المشهد الكروي الإفريقي تطوراً متسارعاً وحضوراً دولياً متزايداً.
لقد أصبحت متابعة البطولات الإفريقية ذات بعد عالمي، ما يمنح الدول المنظمة فرصة نادرة لعرض قدراتها المؤسساتية واللوجستية أمام جمهور واسع. وفي هذا الإطار، يشكل نجاح المغرب عاملاً إضافياً في تعزيز الثقة في جاذبيته الاستثمارية، خاصة في قطاعات السياحة والبنيات التحتية والخدمات، ويغذي مسار تحسن صورته الائتمانية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في بلوغ مليار يورو من المداخيل أو خلق 100 ألف منصب شغل، بل في ضمان استدامة هذه الاستثمارات. فالاستثمار في الملاعب والتجهيزات والبنيات التحتية يمكن أن يكون رافعة قوية للاقتصاد الوطني، شريطة تفادي فخ المنشآت الضخمة التي تتحول بعد انتهاء التظاهرات إلى عبء مالي.
وتشير التجارب الدولية إلى أن غياب رؤية “ما بعد الحدث” قد يفرغ هذه الاستثمارات من جدواها. لذلك، يراهن المغرب على تعدد استخدامات الملاعب والتجهيزات، لتشمل أنشطة رياضية وثقافية واقتصادية، ضمن استراتيجيات طويلة المدى مرتبطة بالتنمية الحضرية والنقل والبنيات التحتية، مثل المخطط السككي في أفق 2040.
هكذا، تلتقي أرقام الادخار التي تناهز 30 في المائة، والاستثمار الذي يتجاوز 32 في المائة، والنمو الذي يفوق 6 في المائة، مع مليار يورو من عائدات الرياضة و100 ألف منصب شغل. إنها معادلة جديدة للاقتصاد المغربي، تقوم على الجمع بين التوازنات الماكرو-اقتصادية والرهان على قطاعات قادرة على تحويل اللحظة الاستثنائية إلى مسار دائم للتنمية.