الأغلبية قبيل الانتخابات: يلعن بعضها بعض

0

انتقل الصراع بين عدد من الأحزاب والقيادات السياسية إلى مستوى غير مسبوق من تبادل الاتهامات، بعضها يتعلق بتدبير المال العام، وبعضها الآخر بتضارب المصالح واستعمال النفوذ، فيما ذهبت تصريحات أخرى إلى الحديث عن قضايا أخطر مرتبطة بالاتجار في المخدرات وتمويل الانتخابات.

وتزداد خطورة هذا السجال بالنظر إلى أن جانباً مهماً من الاتهامات يصدر عن وزراء وبرلمانيين وقيادات حزبية شاركت، أو ما تزال تشارك، في تدبير الشأن العام، ما يجعل الأمر يتجاوز حدود “المواجهة الانتخابية” إلى أسئلة تتعلق بالمسؤولية السياسية والقانونية، وبضرورة إخضاع الادعاءات الجدية للتحقق والتحقيق.

وفي مقدمة الملفات التي فجرت المواجهة، الاتهامات التي وجهها هشام المهاجري، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، إلى محمد شوكي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، ورئيس الحكومة عزيز أخنوش، بشأن عملية تمويل مرتبطة بجماعة أكادير التي يرأسها أخنوش.

المهاجري تحدث عن شبهة تضارب مصالح، وربطها بتعديل في القواعد المنظمة لاقتراض الجماعات الترابية، قائلاً إن شركة مرتبطة بمحمد شوكي استفادت من الآلية الجديدة وقامت بإقراض جماعة أكادير مبلغاً قدره 50 مليون درهم، متحدثاً كذلك عن فارق في سعر الفائدة بين التمويل الأصلي والقرض الموجه للجماعة.

وإذا كانت هذه المعطيات قد وردت في تصريحات سياسية وتحتاج إلى وثائق وتدقيق مستقل لإثباتها، فإن طبيعة الادعاء تفرض، في المقابل، طرح سؤال واضح هل يتعلق الأمر فعلاً بتضارب مصالح أم بعملية مالية قانونية تمت وفق المساطر المعمول بها.

و رد عزيز أخنوش على هذه الاتهامات بشكل مباشر، معتبراً أن المعطيات التي قدمها المهاجري غير معقولة، ومؤكداً أن تمويل جماعة أكادير تم عبر مسطرة قال إنها شفافة، شاركت فيها مؤسسات مالية كبرى، وأن اللجوء إلى سوق الرساميل كان جزءاً من إصلاح يستهدف تمكين الجماعات الترابية من خيارات أوسع في التمويل.

غير أن الرد السياسي لا يلغي الحاجة إلى التدقيق المؤسساتي. فإذا كانت العملية سليمة، فإن نشر تفاصيلها وعقودها ومساطرها ومصادر تمويلها من شأنه أن ينهي الجدل، وإذا كانت هناك خروقات أو تضارب مصالح، فإن تحديد المسؤوليات ينبغي أن يكون من اختصاص المؤسسات المختصة، وليس الحملات الانتخابية.

و فجر تصريح فوزي لقجع بشأن إنفاق 280 مليار درهم خلال السنوات الخمس الماضية لدعم القدرة الشرائية نقاشاً واسعاً حول المال العام ونجاعة الإنفاق الحكومي. فقد أثار الرقم أسئلة حول طبيعة هذه الاعتمادات، وأوجه صرفها، ومدى تحقيقها للأهداف التي خصصت من أجلها.

وهنا أيضاً يطرح السؤال نفسه إذا كان مسؤول حكومي يقول إن مئات المليارات أنفقت دون تحقيق الأثر المنتظر، فمن المسؤول عن القرارات؟ ومن حدد أوجه صرف الأموال؟ ومن استفاد منها؟ وهل توجد آليات لتقييم النتائج وربط المسؤولية بالمحاسبة.

و ركز جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، الذي اعتبر أن الاتهامات المتبادلة بين وزراء وقيادات حزبية تستوجب التحقيق، محذراً من أن يتحول الوزراء والمسؤولون إلى مهاجمين لقرارات شاركوا هم أنفسهم في اتخاذها.

وطالب العسري بتفعيل المحاسبة، معتبراً أن البرلمان لو مارس دوره الرقابي كما ينبغي لكان بإمكانه استدعاء المسؤولين المعنيين بهذه الملفات، والاستماع إلى جميع الأطراف، بدل ترك الاتهامات تتناسل في المهرجانات الانتخابية.

لكن الأخطر أن دائرة الاتهامات لم تتوقف عند المال العام وتضارب المصالح. فقد شهدت الحملة الانتخابية تصريحات تتحدث عن استعمال النفوذ، واستغلال برامج عمومية لأغراض انتخابية، بل واتهامات مرتبطة بتجارة المخدرات وتمويل الانتخابات. وقد فتحت النيابة العامة بالفعل بحثاً بشأن تصريحات انتخابية تضمنت ادعاءات حول تمويل الترشيحات بأموال مرتبطة بالمخدرات، فيما أثارت تصريحات أخرى عن مرشحين مزعوم ارتباطهم بتجارة المخدرات أسئلة مماثلة حول مدى تحرك المؤسسات المختصة.

وبذلك أصبح المشهد الانتخابي أمام معادلة حساسة: إما أن تكون هذه الاتهامات مجرد أسلحة انتخابية، وفي هذه الحالة يجب وضع حد لها عبر كشف الحقيقة، أو أن تكون وراءها وقائع حقيقية، وهو ما يجعل التحقيق فيها ضرورة لا خياراً.

المطلوب اليوم، بحسب هذا المنطق، ليس إصدار أحكام مسبقة على أي طرف، ولا اعتبار الاتهام دليلاً على الإدانة، وإنما فتح تحقيقات جدية ومستقلة في كل ادعاء يتوفر على الحد الأدنى من المعطيات القابلة للتحقق.

فالاتهام بتضارب المصالح ليس مسألة انتخابية بسيطة، خصوصاً عندما يتعلق بمسؤول سياسي أو منتخب وبصفقة أو قرض أو قرار تنظيمي يمكن أن تكون له آثار مالية. والحديث عن استعمال النفوذ أكثر خطورة عندما يرتبط بموارد الدولة أو مؤسساتها. أما الاتهامات المتعلقة بالاتجار في المخدرات أو تمويل الانتخابات بأموال غير مشروعة، فهي تدخل في نطاق بالغ الحساسية يستوجب التعامل معه بالصرامة التي يفرضها القانون.

ومن هنا، فإن دعوة جمال العسري إلى التحقيق في الاتهامات المتبادلة تكتسب بعداً يتجاوز موقع حزبه في المعارضة، لأنها تعيد النقاش إلى قاعدة أساسية في الدولة: لا يمكن أن تبقى الاتهامات الخطيرة بلا جواب مؤسساتي.

كما أن مطالبة المهاجري بفتح لجنة تقصي حقائق بشأن التمويل المرتبط بجماعة أكادير تضع البرلمان أمام مسؤولية ممارسة دوره في الرقابة، إذا توفرت الشروط القانونية لذلك. وفي المقابل، فإن دفاع رئيس الحكومة عن العملية يفرض أن تكون المعطيات والوثائق متاحة للجهات المخولة بالتحقق منها، بما يسمح بإنهاء الجدل على أساس الوقائع.

وتبرز المفارقة السياسية في أن جزءاً كبيراً من هذه الاتهامات يأتي بين أحزاب كانت إلى وقت قريب تجلس إلى الطاولة الحكومية نفسها. فالأحرار والأصالة والمعاصرة كانا شريكين في الأغلبية، قبل أن تتحول الحملة الانتخابية إلى ساحة لتبادل الاتهامات والهجمات المباشرة. وقد وصفت تقارير حديثة مستوى التراشق بين الطرفين بأنه غير مسبوق، بعدما انتقل من انتقاد الحصيلة إلى ملفات تتعلق بالمال والنفوذ وتضارب المصالح.

واعتبر متتبعون ان الخاسر الأكبر من استمرار هذه الاتهامات دون تحقيق قد لا يكون حزباً بعينه، وإنما الثقة في المؤسسات والعملية الانتخابية برمتها. فالناخب المغربي من حقه أن يعرف هل ما يسمعه مجرد خطاب انتخابي هدفه إسقاط الخصم، أم أن الأمر يتعلق بوقائع يمكن أن تمس المال العام والنفوذ السياسي ونزاهة المؤسسات.

و المرحلة الحالية تحتاج إلى انتقال الاتهام من منصة المهرجان الانتخابي إلى منصة التحقيق المؤسساتي. من يملك الأدلة عليه تقديمها، ومن وجه الاتهام عليه أن يتحمل مسؤولية تصريحاته، ومن ثبتت مسؤوليته يجب أن يخضع للقانون، ومن ثبتت براءته يجب أن ترفع عنه الشبهة.

ذلك وحده كفيل بتحويل الانتخابات من موسم لتبادل الاتهامات إلى لحظة حقيقية للمحاسبة السياسية والقانونية، وترسيخ قاعدة أن المال العام والنفوذ العمومي وتضارب المصالح ليست أوراقاً انتخابية، وإنما قضايا تمس ثقة المغاربة في الدولة والمؤسسات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.