خسائر تقارب نصف مليار درهم لـ«دوزيم» و«الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة» في 2025
كشف تقرير رسمي مرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 عن استمرار الصعوبات المالية التي تواجه مؤسسات الإعلام السمعي البصري العمومي بالمغرب، بعدما سجلت شركة «صورياد دوزيم»، المشغلة للقناة الثانية، خسارة صافية بلغت 356 مليون درهم خلال سنة 2025، مقابل 131 مليون درهم للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ليصل مجموع الخسارتين إلى 487 مليون درهم، وفق الحسابات المنفصلة للمؤسستين.
وتبرز هذه النتائج استمرار التباين بين الحضور الجماهيري للمؤسسات الإعلامية العمومية ووضعيتها المالية، في وقت تتجه فيه الدولة إلى إعادة تنظيم القطاع وتعزيز التكامل بين مكوناته، بما يشمل تدبير الموارد الإعلانية وتوحيد بعض الوظائف والأنشطة.
حافظت القناة الثانية خلال سنة 2025 على موقع متقدم في سوق الإعلانات التلفزيونية، مستحوذة على 65.8 في المائة من إجمالي الاستثمارات الإعلانية الخام، فيما بلغت حصتها من المشاهدة نحو 25 في المائة، واستقر الإنتاج الوطني عند حوالي 82 في المائة من شبكة برامجها.
غير أن هذه المؤشرات لم تنعكس على رقم معاملات الشركة، الذي تراجع بنسبة 10 في المائة ليستقر عند 375 مليون درهم، منها 357 مليون درهم من المداخيل الإعلانية، بما يمثل نحو 95.2 في المائة من إجمالي رقم المعاملات.
وبلغت الخسارة الصافية للشركة 356 مليون درهم، مقابل 360 مليون درهم سنة 2024، في تحسن محدود لم يتجاوز أربعة ملايين درهم. كما استقرت نتيجة الاستغلال عند ناقص 303 ملايين درهم.
وتعكس هذه الأرقام، وفق التقرير الرسمي، استمرار الاختلالات التي تطبع النموذج الاقتصادي والمالي للشركة، رغم موقعها المتقدم في السوق الإعلانية. فالحصة المرتفعة من الاستثمارات الإعلانية الخام لا تعني بالضرورة تحقيق مداخيل كافية لتغطية النفقات، خصوصاً أن التقرير لا يقدم تفصيلاً يسمح بتحديد مساهمة كل عنصر من عناصر التكلفة في الخسائر المسجلة.
وفي سياق معالجة وضعيتها المالية، شهد رأسمال «صورياد دوزيم» زيادة بقيمة مليار و102 مليون درهم خلال سنة 2025، بعدما ارتفع من 359 مليون درهم إلى مليار و461 مليون درهم، من خلال تحويل ديون مستحقة لفائدة الدولة إلى رأسمال.
ولا تعني هذه العملية ضخ المبلغ نفسه في شكل سيولة نقدية جديدة، بل تمثل إعادة ترتيب محاسبية لجزء من الالتزامات المالية للشركة. كما احتاجت الشركة إلى تعبئة 221 مليون درهم إضافية على شكل تسبيقات في الحسابات الجارية للشركاء لتغطية حاجيات الاستغلال.
في المقابل، سجلت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة تحسناً ملحوظاً في نتائجها المالية خلال سنة 2025، إذ ارتفع رقم معاملاتها إلى 672 مليون درهم، مقابل 439 مليون درهم سنة 2024، بزيادة بلغت 53 في المائة.
وعزا التقرير هذا التطور أساساً إلى ارتفاع مداخيل الرسم المخصص للنهوض بالفضاء السمعي البصري، التي بلغت 428 مليون درهم، من بينها 155.5 مليون درهم ناتجة عن تحصيل متأخرات مرتبطة بالمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب عن الفترة الممتدة بين 2022 و2024.
ويعني ذلك أن جزءاً من نمو المداخيل خلال سنة 2025 ارتبط بتحصيل مستحقات سابقة، وليس حصراً بارتفاع الإيرادات الناتجة عن النشاط الجاري.
وتراجعت الخسارة الصافية للشركة من 410 ملايين درهم سنة 2024 إلى 131 مليون درهم سنة 2025، بانخفاض بلغ نحو 68 في المائة. كما تحسنت نتيجة الاستغلال، منتقلة من ناقص 581.1 مليون درهم إلى ناقص 303.2 ملايين درهم.
ورغم هذا التحسن، فإن استمرار تسجيل نتيجة استغلال سلبية يشير إلى أن النشاط الاعتيادي للشركة لا يزال يواجه ضغوطاً مالية، في ظل الالتزامات المرتبطة بالإنتاج والبث وتقديم الخدمة العمومية.
وعلى مستوى الاستثمار، بلغت قيمة المشاريع المنجزة 197 مليون درهم خلال سنة 2025، مقابل 283 مليون درهم سنة 2024. وشملت هذه الاستثمارات تجهيزات سمعية بصرية بقيمة 109.7 ملايين درهم، وتجهيزات للبث التلفزي بمبلغ 32.2 مليون درهم، إضافة إلى 54.8 مليون درهم للتجهيزات المعلوماتية والبرمجيات وأشغال التهيئة وأصول ثابتة أخرى.
رغم التحسن المسجل خلال سنة 2025، تشير التوقعات الواردة في التقرير بشأن إقفال السنة المالية 2026 إلى احتمال تدهور جديد في الوضعية المالية للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.
ويرتقب أن يتراجع رقم معاملاتها إلى 624 مليون درهم، مقابل 672 مليون درهم سنة 2025، في حين يُتوقع أن ترتفع خسارتها الصافية إلى 463 مليون درهم.
وفي حال تحقق هذه التقديرات، ستزيد الخسارة الصافية بمقدار 332 مليون درهم مقارنة بنتائج السنة السابقة، بما يعيد إشكالية التوازن المالي للشركة إلى الواجهة.
تُظهر بيانات التقرير حجم الدعم المالي الذي استفادت منه المؤسستان خلال سنة 2025. فقد بلغت التحويلات الموجهة إلى الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة ملياراً و501.8 مليون درهم، موزعة بين 901.8 مليون درهم للتسيير، و300 مليون درهم للتجهيز، و300 مليون درهم مخصصة للرأسمال.
أما «صورياد دوزيم»، فبلغ مجموع التحويلات الموجهة إليها 286 مليون درهم، منها 121 مليون درهم للتسيير، و65 مليون درهم للتجهيز، و100 مليون درهم للرأسمال.
وبذلك، وصل مجموع التحويلات المالية المسجلة لفائدة المؤسستين إلى نحو مليار و787.8 مليون درهم خلال سنة واحدة، أي ما يقارب 1.8 مليار درهم.
على الرغم من الصعوبات المالية، حافظت المؤسسات العمومية على حضورها في سوق المشاهدة التلفزيونية والمنصات الرقمية. وبلغت حصة مشاهدة القناة الثانية نحو 25 في المائة خلال سنة 2025، مقابل 16 في المائة للحصة الإجمالية لقنوات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.
وبحسب التقرير، بلغ متوسط مشاهدة التلفزيون في المغرب ثلاث ساعات و48 دقيقة يومياً للفرد، خُصصت منها 38 دقيقة لمتابعة قنوات الشركة الوطنية، فيما وصلت حصة الاستماع إلى إذاعاتها إلى نحو 28 في المائة.
وعلى المنصات الرقمية، بلغ عدد مشتركي القناة الثانية على «يوتيوب» 10.1 ملايين مشترك بنهاية سنة 2025، بزيادة 800 ألف مشترك مقارنة بالسنة السابقة. ووصل عدد مشتركي قناة «الأولى» إلى 3.3 ملايين مشترك.
كما سجلت منصة «فرجة» التابعة للشركة الوطنية نحو 55 مليون مشاهدة خلال السنة نفسها، وبلغ العدد التراكمي لمستخدميها 4.3 ملايين مستخدم، فيما حققت قناة الأخبار التابعة للشركة 26.9 مليون مشاهدة على «يوتيوب».
بالتوازي مع هذه المؤشرات، يتواصل مسار إعادة تنظيم المؤسسات العمومية العاملة في القطاع. ففي 24 أبريل 2026، جرى تحويل مجموع مساهمات الدولة في شركة «صورياد دوزيم» إلى الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، لتصبح الأخيرة المساهم المالك لأغلبية رأسمال الشركة المشغلة للقناة الثانية.
وتأتي هذه الخطوة بعد اقتناء الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة «ميدي 1 تي في» و«ميدي 1 راديو» سنة 2024، في إطار توجه يرمي إلى تعزيز التكامل بين المؤسسات العمومية وتطوير الحكامة وتحسين تدبير الموارد.
ولا يعني انتقال المساهمات، في حد ذاته، الاندماج الفوري لجميع الأنشطة أو الاختفاء القانوني لشركة «صورياد دوزيم»، بل يمثل مرحلة من مراحل إعادة التنظيم الرأسمالي والمؤسساتي للقطاع.
وفي هذا الإطار، يتضمن التصور المستقبلي، الممتد إلى أفق سنة 2030، إحداث وكالة موحدة لتدبير الإعلانات تحت إشراف الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، إلى جانب تجميع بعض الوظائف والأنشطة وإرساء منظومة حكامة تتلاءم مع الهيكلة الجديدة.
ويرتقب أن تركز المراحل اللاحقة على تحسين نجاعة الأداء وتعزيز التكامل بين المؤسسات، مع توضيح العلاقة بين الأنشطة المرتبطة بالخدمة العمومية وتلك ذات الطابع التجاري.
وتضع الخسائر المالية المسجلة، إلى جانب حجم التحويلات العمومية الموجهة إلى المؤسستين، مسألة استدامة النموذج الاقتصادي للإعلام السمعي البصري العمومي ضمن أبرز التحديات المطروحة، في وقت تراهن فيه الدولة على إعادة الهيكلة لتحسين الحكامة وتطوير المردودية المالية والمؤسساتية.