رحلة امرأة مهاجرة: بين التحرر من جحيم الماضي وقسوة مخاوف المهجر
بقلم: فاطمة الزهراء قلو
لم تكن الهجرة إلى الديار الأوروبية بالنسبة لبعض النساء رحلة مترفة تبحث عن رفاهية المال أو شواهد العلم، بل كانت أحياناً صرخة نجاة ملحة، وفراراً اضطرارياً بحثاً عن الملاذ والأمان بعيداً عن أزمات عائلية خانقة واستنزاف نفسي طويل. ورغم الاعتقاد الشائع بأن تغيير المكان كفيل بمسح الندوب، فإن الواقع يضع المهاجرة أمام تحديات قاسية لم تكن في الحسبان.
تبدأ المعاناة غالباً باصطدام حاد بوحدة قاتلة وفراغ روحي في شوارع باردة، حيث تجد المرأة نفسها مجبرة على حمل أثقال الحياة الجديدة وحدها بلا أهل ولا سند. وعادة ما يساهم المستوى العلمي الجيد في تسريع تعلم اللغة وانتزاع الإقامة الرسمية وتجاوز عقبات الاندماج المهني، إلا أن شعور الغربة الداخلي يظل يرافق الإنسان كظله. وفي محاولة لردم هذا الفراغ والبحث عن الدفء العائلي، يُتخذ أحياناً قرار الزواج كحصن وملاذ، لكن الشراكة في بيئة المهجر تتحول في كثير من الأحيان إلى عبء إضافي وضغط نفسي خفي؛ إذ يعيش الأزواج خلافاتهم بـ “الهمس الصامت”، مكبلين بخوف مرعب من تدخل “الخدمات الاجتماعية” وسحب الأطفال، مما يجعل البيوت تشبه السجون الخفية التي تُكتم فيها المشاعر تفادياً لأي طارئ قانوني.
يضاف إلى ذلك واقع الاندماج الحذر والتعامل مع تحديات التمييز الثقافي، حيث تجد الأسرة المهاجرة نفسها مضطرة للتكيف مع محيط قد ينظر بحذر إلى الهويات المختلفة. غير أن المعركة الأقسى والأعظم تظل هي صراع الهوية وتربية الأبناء؛ فالوقوف على حافة مجتمع أوروبي مغرٍ وبرّاق يجعل حماية القيم والدين أمناً صعب المراس. وتشهد العديد من الأسر قصصاً بالغة الصعوبة لأبناء يواجهون مخاطر الانحراف أو الذوبان في تيارات ثقافية منافية للعقيدة والأصالة، بينما تقف الأسر في كثير من الأحيان مكتوفة الأيدي حذراً من القوانين الصارمة التي تفسر أي توجيه تربوي حازم على أنه عنف أسري.
هكذا تتحول رحلة البحث عن الأمان من جحيم المشاكل العائلية إلى عاصفة مستمرة من الخوف المزدوج: خوف على استقرار البيت الزوجي، والخوف الأعظم على مصير الأبناء في بلاد لا ترحم هشاشة الأسر المهاجرة. يضاف إلى ذلك وجع فراق الأهل والأحباب، ليعيش المهاجر غربة مضاعفة؛ غربة في بلاد المهجر، وغربة متجددة عند العودة إلى الوطن بعد رحيل الأصول وفقدان الدفء الأول الذي كان يشد الانسان إلى جذوره.