المعارضة تنتقد ميزانية 2027: من أين ستأتي الحكومة بالموارد؟
انتقلت مكونات المعارضة البرلمانية إلى مواجهة مشروع قانون المالية لسنة 2027 من بوابة التشكيك في وضوح فرضياته المالية، والتساؤل عن مصادر تمويل التزامات الحكومة، ومدى انعكاس الإجراءات المعلنة على القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت حذرت فيه من استمرار الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، وتكريس الامتيازات لفائدة فئات ومصالح محددة على حساب الفئات الهشة والطبقة المتوسطة.
وخلال مناقشة المشروع بمجلس النواب، الأربعاء 28 أكتوبر، تلاقت انتقادات فرق العدالة والتنمية، والحركة الشعبية، وتحالف اليسار حول مجموعة من النقاط، في مقدمتها غموض بعض التدابير الضريبية والاجتماعية، وضعف الأجوبة الحكومية عن مصادر الموارد المالية وكيفية توزيعها، فضلا عن استمرار الفوارق المجالية والاجتماعية. غير أن مداخلات هذه الفرق اختلفت في زوايا المعالجة، بين التشكيك في التوجهات الاقتصادية للحكومة، والتحذير من مخاطر الفرضيات المعتمدة، والمطالبة بقطائع سياسية وحقوقية تسبق أي حديث عن التنمية.
وفي هذا السياق، اعتبر إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، أن مشروع قانون المالية يفتقر إلى الوضوح بشأن عدد من الإجراءات، ولا يقدم أجوبة كافية عن تساؤلات المواطنين المتعلقة بالضريبة على الدخل والمعاشات، والدعم الاجتماعي المباشر، والإعفاءات الضريبية، والجهات المستفيدة منها.
وانتقد الأزمي ما وصفه بتكريس المشروع للرأسمالية المتوحشة والاختيارات النيوليبرالية، معتبرا أن توزيع الاعتمادات المالية لا يكفي لتوضيح السياسة الاقتصادية للحكومة، ما لم يقترن بالكشف عن مصادر الموارد، وطبيعة الاختيارات المالية، وكيفية تدبير القطاع البنكي وسياسة الصرف.
كما أثار المسؤول الحزبي إشكالية المداخيل المتوقعة من عمليات الخوصصة، التي تبلغ ستة ملايير درهم وفق ما أورده خلال مداخلته، مطالبا بتحديد الشركات المعنية بهذه العمليات وتوضيح خلفياتها والجهات المستفيدة منها. وامتدت انتقاداته إلى الإعفاءات الضريبية المتعلقة باستيراد المواشي، التي اعتبر أنها قد تخدم مصالح المستوردين دون ضمان انعكاسها على أسعار اللحوم أو حماية القطيع الوطني.
وشدد الأزمي على أن إصلاح الضريبة على الدخل ينبغي أن يحقق العدالة بين الأجراء، منتقدا ما اعتبره تفاوتا في الاستفادة من الإجراءات المقررة بين أصحاب الدخول المنخفضة والمرتفعة. كما دعا إلى تسقيف أرباح شركات المحروقات، وإعادة تشغيل مصفاة سامير، وتوسيع الاستفادة من المنح الجامعية، ومراجعة شروط الولوج إلى الوظيفة العمومية، إلى جانب معالجة العراقيل التي تواجه المقاولات والشباب المستفيدين من برامج الدعم.
من جهته، حذر الفريق الحركي من أن الفرضيات الاقتصادية التي بني عليها مشروع مالية 2027 تظل عرضة لتقلبات دولية ومناخية قد تؤثر في التوازنات المالية، خصوصا في ظل استمرار الإجهاد المائي والتوترات الجيوسياسية وتذبذب أسعار النفط وغاز البوتان.
واعتبرت ريم شباط، رئيسة الفريق الحركي، أن المشروع لا يعكس بما يكفي الطموحات التي تضمنها البرنامج الحكومي، ولا يقدم حلولا عاجلة بحجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية، مشيرة إلى محدودية الأثر المنتظر من إصلاح الضريبة على الدخل في تحسين أوضاع الطبقة المتوسطة التي تحملت كلفة التضخم خلال السنوات الماضية.
وطالب الفريق الحكومة بتقديم سيناريوهات بديلة لمواجهة المخاطر المحتملة، مع تحديد الآجال والموارد المالية اللازمة لتوسيع التغطية الصحية، وتعميم التعويض عن فقدان الشغل، وتوسيع الاستفادة من التقاعد والدعم الاجتماعي المباشر. كما نبه إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ومحدودية المنح الجامعية والإيواء الطلابي، واستمرار الفوارق المجالية.
وذهب الفريق الحركي أبعد من ذلك، بدعوته إلى تحريك لجنة لتقصي الحقائق بشأن صرف أموال الدعم العمومي، وربط الإعفاءات الجبائية بنتائج ملموسة لفائدة المواطنين، تفعيلا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، محذرا من احتمال تحميل المستهلك كلفة أي زيادات ضريبية تطال شركات المحروقات.
ووضع تحالف اليسار، مشروع المالية في سياق أوسع، معتبرا أنه لا يحمل أفقا إصلاحيا واضحا، ولا يحدث القطيعة المطلوبة مع الاختيارات التي ساهمت، بحسب تقديره، في تعميق الفوارق وإضعاف الخدمات العمومية وتراجع الثقة في المؤسسات.
وأكدت البرلمانية نبيلة منيب أن تحقيق العدالة الاجتماعية يقتضي إصلاحا سياسيا واقتصاديا متكاملا، يقوم على محاربة الريع والاحتكار والفساد، وإعادة توزيع الثروة، وضمان الحقوق والحريات. وانتقدت غياب إجراءات كافية لرفع الأجور، وضعف التدابير الرامية إلى مكافحة الفقر، واستمرار الاختلالات الضريبية التي تثقل كاهل الأسر محدودة الدخل.
ودعت منيب إلى فرض ضرائب على الثروات الكبرى وأرباح رأس المال والأرباح الاستثنائية، مقابل تخفيف الضرائب غير المباشرة المفروضة على الفئات المتواضعة، إلى جانب تسقيف أسعار المواد الأساسية والطاقة، وخفض أسعار الأدوية، وتقوية المستشفى العمومي، وحماية الوظائف من تداعيات التحول الرقمي.
و انتقدت غياب التوازن بين الخطاب المتعلق بالجهوية المتقدمة وإسناد مسؤولية البرامج الترابية إلى وزارة الداخلية، معتبرة أن تعزيز الديمقراطية يقتضي توسيع دور المؤسسات المنتخبة وضمان استقلالية القضاء والبرلمان.
ولم تفصل منيب بين الإصلاح الاقتصادي والمدخل الحقوقي، إذ دعت إلى مصالحة وطنية تبدأ بإطلاق سراح معتقلي الريف و«جيل زد»، والصحفيين والمدونين، واستكمال تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، معتبرة أن بناء الثقة يظل شرطا أساسيا لأي مسار تنموي.
وتكشف هذه المواقف عن تقاطع واضح داخل المعارضة بشأن الحاجة إلى توضيح الاختيارات المالية للحكومة، وربط الإنفاق العمومي بأثره الاجتماعي، وتحديد المستفيدين الحقيقيين من الدعم والإعفاءات. وبينما تركز الانتقادات على غموض بعض الموارد والتدابير، تتسع دائرة الاعتراض لتشمل طبيعة النموذج الاقتصادي ومدى قدرته على الاستجابة لمطالب التشغيل والقدرة الشرائية وتقليص الفوارق.
و تحولت مناقشة مالية 2027 إلى مواجهة سياسية حول سؤالين مركزيين من أين ستأتي الموارد اللازمة لتمويل الالتزامات الحكومية، ومن سيستفيد فعليا من توزيعها؟ وهما سؤالان يضعان الحكومة أمام تحدي تقديم توضيحات دقيقة بشأن مصادر التمويل، ومآل النفقات، والنتائج المنتظرة من الإجراءات المعلنة، بدل الاكتفاء بالأهداف العامة والوعود الاجتماعية.