” شاط الحرير حتى ترفدوا بيه المقالي “
بقلم ذ.محمد العبدوني خياري
الأمثال الشعبية أقوال مركبة يتناقلها الناس وفيها عبرة للأجيال، هناك الكثير من هذه الأمثال التي ما زالت تردد في معانيها وأوقاتها. يستعملها الناس للتعبير عن حالاتهم العاطفية أو لوصف المواقف والأحداث التي يصادفونها، أو للسخرية من بعض الأشخاص أو توعيتهم بطريقة غير مباشرة.
هو مثل شعبي يقال للتقليل من قيمة الشيء أو الشخص الذي يتم استعماله أووضعه في غير محله، ويدخل فيه أيضا إسناد المسؤولية إلى من هو ليس أهلاً لها، أي إلى من لا يستحقها في عموم مهام وشؤون الحياة وخاصة فيما يتعلق منها بإدارة شؤون المجتمع في أي مجال أو اختصاص أو في أي موقع وأي مستوى إداري أو عملي.. نطلقه أيضا على أناس تموقعوا في المناصب السياسية والحزبية والوزارية والإدارية والفنية والرياضية ومناصب المسئولية في الإدارات والمؤسسات العمومية والخصوصية وهم غير مؤهلين ودون المستوى المرجو. وهكذا يبقى تموقع الشخص رهين إما بكفاءته، أو لأن “عندو جداه في المعروف”، أو وصوليته وتملقه، أو لأمور أخرى قد تخدش الحياء ولا داعي لذكرها. فلتسيير أو لتدبيرمرفق ما بنجاح، على المسئول ولإتمام مهمته أن تكون لديه قابلية الإنصات ومنفتحا على آراء ومقترحات الآخرين لمزيد من المعرفة والاستفادة من تجاربهم وكفاءتهم، أن يعتمد ويستند على فريق يساعده، و يختار المحيط الصالح، عوض انتقاء أناسا فاسدين وفاشلين أو أتبتت التجربة عن عدم جدارتهم، رغم ما يحاولون إظهاره للمحيط من جدية، لأن هؤلاء الأشخاص سيصبحون بالنسبة للمسئول مثل “منديل صفية جيت نمسح فيه مسح فيا”،رغم محاولاتهم اليائسة الظهور بمظهر”العالم المنير، والفاهم الكبير، والفيلسوف الحكيم، والمتحذلق العقيم”. والمتحذلق(ة) كلمة جاءت من يَتَحَذْلَقُ العَالِمُ : يَتَكَلَّفُ التَّصَنُّعَ، يَدَّعِي العِلْمَ وَالْمَهَارَةَ وَالحِذْقَ، هو اسم من قول حذلق الرجل وتحذلق إذا أَظهر الحذق وادعى أَكثر مما عنده. كثيرا ما يعتبر علم النفس التحذلق كأحد جوانب النرجسية، فكل الجهود التي يبذلها هذا الشخص، في الواقع، تهدف إلى الرضا عن نفسه، حتى لو كانت تصرفات المتحذلق(ة) غير مفهومة للآخرين، لأنها تبدو غير مناسبة وغريبة بالنسبة لهم، هو مرض يطلق عليه “متلازمة التحذلق” وهو مصطلح نفسي يطلق على اضطراب مرتبط بالاضطراب الوسواسي القهري لدى الفرد حيث يشعر المصاب(ة) بهذا الاضطراب برغبة دائمة في تصحيح الأخطاء للآخرين، و بذلك يجد صعوبة في بناء علاقات اجتماعية جيدة معهم. والتحاذق الإداري هو إبداء الثقة المفرطة والعمياء التي يغطي بها المتحاذق(ة) جانب ضعف المهارات لديه. قد لا ينكشف في البداية، ولكنه مع الوقت ينكشف، وتبدأ الأخطاء في الظهور! انتهى الكلام……..لقد بدأنا نستشعر وجود هؤلاء المتحاذقين على رأس بعض الوظائف القيادية والمسؤولية. وسؤال اليوم: كيف وصلوا لهذه المناصب؟ هل بسبب الكفاءة الاستثنائية النوعية التي يحظى بها هؤلاء، التي تجعل الإدارات العليا لا تنظر لما لديها من موارد بشرية، وتتجه لهؤلاء المتحذلقين؟ أم أن المسؤولين لا تتوفر لديهم الأدوات الدقيقة والمعلومات الصحيحة التي تعطي تقييمًا عادلاً ومنطقيًّا للمهارات المطلوبة لشغل مهمة أو وظيفة ما؟ أو أن هناك من يقوم بتغليطهم؟ وفي الواقع؛ فالأدوات التي يُبنى عليها الاختيار في الكثير من الجهات تخضع لرأي المسؤول في الغالب، وليس على معايير تقييم المهارات والكفاءات. ربما اعتمد مسؤولو الاستقطاب في اختيارهم على (بروفايل) هذا المستقطب(ة) الذي بناه في الغالب بالكذب وسياسة التملق (سبق أن كتبت مقالاً في ذلك عن الحاشية، أوضحت فيه أن الكثير من المسؤولين لا ينجحون لأن الحاشية مهترئة). فكل شخص يجب أن يعرف قدره ومقداره ولا يتعالى وخاصة على من ساعدوه للوصول لمكانته، والذي”بحادثة ” تم وضعه في غير محله. إن ضياع أمانة المسؤولية يمثل بالتالي خللا كبير في السلطة الإدارية، وكم أثبتت لنا الحقائق والتجارب السابقة والكثيرة أن الأمانة قد ضيعت في كثير من الحالات بسبب إسناد أمرها إلى غير المؤهلين لها، وهي من أكبر السلبيات الإدارية في عدة بلدان… فإسناد الأمر إلى غير المؤهل وغير الجدير، الذي لا تتوفر فيه الكفاءة والقدرات والمؤهلات اللازمة المختلفة للقيام بتلك المسؤولية أو الوظيفة، لن تؤدي إلا للفشل ويكون الوقت قد فات لتدارك ما يمكن تداركه !!. هذه كلها صورة واضحة من أهم صور ضياع الأمانة….. وبالتالي ضياع المصلحة العامة و المجتمع. أيها المسؤول عن الانتقاء، أرجو أن تتأملها وتسقطها على اختياراتك القادمة!.