ماذا حل بك يا مدينتي؟ لا أنتِ أنتِ ولا الديارُ ديار

0

بقلم. أبا علي
إنها مراكش التي قال فيها ابن خلكان : “مراكش مدينة عظيمة فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، بسيطة الساحة ومستطيلة المساحة، كثيرة المساجد، عظيمة المشاهد، جمعت بين عذوبة الماء، واعتدال الهواء، وطيب التربة، وحسن الثمرة، وسعة الحرث، وعظيم بركته” وأزيد أنت مراكش الحمراء، مراكش البهجة، كريمة الطبع، تميزت برجالاتها ونسائها الشرفاء الأفاضل، حتى كان المغرب يعرف باسمها سابقا، فماذا حل بك الآن يا مدينتي؟ لماذا وصلت إلى هذه الوضعية وصرت دون هوية؟ بعد أن كنت مثالا للبهجة والنكتة والابتسامة، مع بشاشة ساكنتك وروحهم المرحة، كنت مثالا للجمال والهواء النقي والبساتين الخضراء ولعراصي وجناناتك الفسيحة، والعيون والخطارات التي تمدها بالماء، ( أكدال، المنارة وعرصة مولاي عبد السلام بل أن هناك أحياء تسمى بأسماء العراصي، كعرصة الملاك وعرصة بوعشرين…. “نظرة تاريخية لعراصي وجنانات مراكش .. مالكوها ومواقعها وروافدها المائية”-أرشيف المراكشية 25/04/2025-) ،أحيائها الشعبية تعرضت للتشويه و تحولت إلى شبه دواوير و أسواق لبيع المأكولات، صارت هجينة، واختلط فيها الحابل بالنابل..
الألمٌ والحزنٌ تكاتفوا عليها، حتى لونها الأحمر تلاعبوا به، وهوائها النقي تم تلويثه وتعفن برائحة الدخلاء والانتهازيين والمصلحيين…!!! صراخ وضجيج يعلو وسط النهار بين منبه السيارات والباعة المتجولين، والفجور والفساد ينخر ذاتها وكيانها ليلا، ليس فقط في ثرواتها وأملاكها ورياضاتها بل في تاريخها وتراثها. أصبح حالها كفانوس أطفئ نوره واختفى بريقه، خذلها مناضليها و مثقفيها إلا القلائل، فآسود فضائها بالإسمنت رغم خضرة بساتينها، ولا من مبال لكف يدِ الأذى عنها وعن تاريخها التليد وذاكرة زمانها، لا إرادة ولا أمل منشود بل وشاح التيه والغربة والضياع.
عاما بعد عام تعيش مرحلة تقهقر، ولازالت تصرخ خذلانا لمحاولات إخفاء الهوية مرة بالثقافات الدخيلةِ وأخرى بمخادعات انتخابية معتمدة على صبرها، وقدرتها على التحمل والتحدي، لكن كما غنت أم كلثوم” إنما للصبر حدود”، فقلبها لازال ينبض وهو يتعرض لمخارزكم الحادة ، لأننا نحن وأهلنا في المدينة الحمراء مازلنا وسنبقى نحرسُ أبوابها وأسوارها من حراب طامعيها بشفرات سكاكينهم وأنيابهم الغولية.
إن مدينتي تغيرت وأنهكت وتم تغيير ملامحها بالاسمنت لبعض المنعشين العقاريين الجشعين. مراكش مدينة ساحرة لدرجة أن أهلها مصابون بكساح و رهاب السفر فهم لا يحبون مغادرتها، ويحكى” أن صديقين قررا السفر ذات يوم لكن ما إن وصلا قنطرة تانسيفت على مشارف مراكش حتى قال أحدهم للآخر: هيا بنا نعود أدراجنا لقد تغربنا يا أخي…”هكذا هي مراكش تسحرك فتأبى أن تتركها لأنك تعشقها، وهي تسكنك لأن المدن تترك أثرها على أهلها وعلى طبعهم.
أما الآن إذا تهت في مدينتي سأعطيك علاماتها ،لأن في الزوايا خفايا كما يقولون. الباعة المتجولون انتشروا في كل مكان، كل منهم أخذ موقعه، عارضا بضاعته حتى أمام المسجد حيث تختلط الأصوات بين الآذان وبين أصوات تشبه الزعيق،تجارتهم في الدنيا، ومن أجل الدنيا. والغريب أن هذا المنظر لا يثير المسؤولين أبدا، لا يحركون ساكنا إلا في المناسبات الدينية والوطنية، أو الزيارات الرسمية والمؤتمرات، وفي ما عداها يتركون الحبل على الغارب. أسواق عشوائية التي صارت وصمة عار في جبين المجلس الجماعي والسلطات المحلية، وفي جبين كل المجالس التي تعاقبت على مدينتي( سوق الخميس نموذجا…). في أوقات الذروة الكل يعوي ويعوي ككلب مسعور” وا باطاطا،.. وامطيشة..وا خيزو..وا…” ،عربات الخضر بحميرها تسد الطريق، والناس يتحسسون طريقهم وسط زحمة لا يقوون على تحملها، الطريق اغتصبها الباعة، والمسؤولون يربتون على أكتاف الباعة، وهم مستكبرون ومسؤولون. حفرمتناثرة ومابين الحفرة حفرة، طرق ضاقت بمرتاديها، لم يتم تأهيلها ولم تعد تستوعب عدد السيارات والدراجات النارية والعربات، فوضى حراس الدراجات والسيارات في كل مكان بل حتى أمام منازل أصحابها، قطاعات غير مهيكلة (تعمير وتراث، سياحة، صناعة تقليدية وعصرية، فندقة ودور الضيافة و…….) حتى القطاع الرياضي والفني والثقافي تدهور بالمدينة (لا تطوير ولا استحداث للمكتبات والمسارح و دور سينما والمتاحف التي صارت على رؤوس الأصابع، بل حتى الفريق الأول بالمدينة لا يتوفر على ملعب لكرة القدم،- وديما كوكب!
في مراكش تحلو الجلسة في المقاهي، إنها كثيرة، وصارت تنبت كالطفيليات، بعضُها ثــمــنُ كوب القهوة مع إكرامية النادل مبالغ فيه وتجاوز المعقول، لا من يراقب جودتها أو سعرها. وأنت تحتسي قهوتك المسائية ،غارقا في دردشة حول هموم الدنيا، وشيئ من النميمة، قد يباغتك أحد ماسحي الأحذية أو بائعي السجائر بالتقسيط والذي أصبح جزءًا من ديكور المقهى، ونساء يحملن أطفالا رُضَّعا يَجُــلـن بين الطاولات متسولات بطرق حديثة، أو أطفال يبيعون مناديل ورقية أو الورود. كل مقهى تتوفرعلى تلفزة تستقطب مشجعين مهووسين بكرة القدم. حيث يتحولون إلى حيوانات تلفزيونية بامتياز يصرخون، ويصفقون، ويتنمر بعضهم على بعض، خصمٍ ليس وراء البحر الأبيض المتوسط و إنما يجلس قبالته أو بجانبه، مساكين، هم مثل من يشرع مظلته هنا ليقي مطرا يسقط في اسبانيا. بعد أن كان رواد المقهى يطالعون الجرائد والكتب وينجزون الكلمات المتقاطعة،صرت تعاين الكل منكب على هاتفه المحمول ولا يكلم حتى جليسه والكل منشغل بالتيك توك. ينتقل النُّــدُل بنشاط عجيب، ويقفزون من طاولة لأخرى.
لكن مراكش الحمراء تبقى مستندة على طاقات الخير والسمو وتنتخي بقباب رجالاتها السبع، ونخلها الشامخ الذي يأبى الانحناء، بل حتى نخيلها طمسوا وغيروا نوعه بآخردخيل. أنت يا مدينتي مثل “عود الند أو لقماري” الذي لا يزيده الاحتراق إلا طيبا، كذلك جراحك، ستتحول في قلوب الأمناء ورودا ورياحين، وفي صدور الخونة سرطانات خبيثة حتى لا ينعموا بما نهبوا طويلا. في مواسم الإنتخابات تظهر بعض خفافيش الظلام، ومن تستحي الأفواه أن تذكره في مجالس الشرفاء، بلا خجل ليؤكد على سياسته التي أكل عليها الدهر وشرب، ولغة خشب متناسيا انه كان الله كريم الجيب خاوي يمشي كالبطريق يداه لاتصلان جيوبه. سبحان مبدل ألأحوال، حتى البارح كان حاله حال الخماسة، وصار الآن يركب الكاطكاط نافخا ريشه كالطاووس، وهو، مستثني من مقولة “من أين لك هذا؟ أنا أستحي أن أقول هذا المخلوق يمثل ساكنة مدينتي بهيئة تعكس النفاق والخطابات التي لا تسمن ولا تغني من جوع وما هي إلا عبارة عن تهريج للاستهلاك اليومي، بتسخير بعض الكلاب التي تمارس أساليب الخداع والاستغفال سواء بالجرائد الصفراء مقابل عمولات أو مواقع الكترونية أو للتواصل الاجتماعي. اليوم ، يا مدينتي، ماذا حل بك حتى صرت قرية كبيرة وقاموا بترييفك ؟؟ وما هو ذنبك حتى حكموك بالتهميش؟ فهم من اجل مصالحهم مستعدون لإذلالك والمتاجرة باسمك !! مع كل هذه الخيانات والظلم والقهر، تطرح تساؤلات واستفهامات، ما بالكم تسكتون عن حقوقكم المسلوبة ؟؟ بل حتى ممثلوكم تم تدجينهم.

 

لكن بحق غيرة سبعة رجال وبحق النخل الذي يأبى الركوع والانحناء وبحق السور الذي يحيطك ويحميك من الدخلاء ، وبحق كل حنجرة رفضت الذل والإذلال سيبقى حب مدينتي أعز واشرف نيشان يعلق على صدورنا رمزا للإخلاص والوفاء ، وسنبقى نحن أبناءك المخلصين الذين أخذوا على أنفسهم كشف الحقيقة وإزالة اللثام عن كل من خانك وباعك بثمن بخس. أنت علمتيني أن لا أخون وأن لا أهين كرامتي، أوان أهادن الظلم لأن بعد غد سيحرجني أبنائي، وسأظل أدافع عنك بكل صدق ممن أساؤوا إليك ونهبوا ثرواتك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.