تقرير مخيف: التحديات و سيناريوهات الإصلاح التدريجي الشامل لأنظمة التقاعد
في خضم النقاش الوطني الدائر حول إصلاح أنظمة التقاعد بالمغرب، وفي سياق انعقاد اللجنة الوطنية المكلفة بهذا الورش الاستراتيجي، كشفت دراسة تحليلية مغربية حديثة، عن مخرجات مهمة تؤكد على ضرورة استعجال إصلاح نظام التقاعد الوطني، مشددة على أن الاستدامة المالية لوحدها غير كافية، بل إن النجاح الحقيقي لهذا الإصلاح يمر عبر بوابة القبول الاجتماعي، لاسيما من طرف الفئات الهشة التي تتأثر بشكل مباشر بكل تغيير يطرأ على قواعد النظام ومعاييره.
الباحثون المغاربة الذين أنجزوا الدراسة، وهم أسماء الأنصاري ومريم لواء الدين عن مختبر العلوم الاقتصادية والسياسات العمومية التابع لكلية الاقتصاد والتدبير بجامعة ابن طفيل، وسعيد حنشان عن مختبر الاقتصاد الصناعي ونهضة إفريقيا بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P)، ومحمد عمراني عن وحدة البحث الاستراتيجي في الاقتصاد والأعمال والمالية بالجامعة نفسها، أكدوا في تحليلاتهم أن التحدي الأكبر في إصلاح أنظمة التقاعد لا يرتبط فقط بالجوانب التقنية أو المالية البحتة، بل ينبع أساساً من إشكالية القبول المجتمعي لهذا الإصلاح، بالنظر إلى ما يحمله من تأثير مباشر على حقوق المتقاعدين الحالية والمستقبلية، وعلى قدرة الفئات ذات الدخل المحدود على المساهمة دون المساس بكرامتها المعيشية.
الدراسة المعنونة بـ”تعميم تغطية التقاعد في المغرب.. تقييم الإكراهات والتحديات وآفاق التطوير”، تسلط الضوء على إشكاليات متعددة، لعل أبرزها هشاشة التوازن الديمغرافي والمالي الذي يهدد مستقبل المعاشات. ففي الوقت الذي تموَّل فيه المعاشات في الأنظمة العمومية الأساسية (CMR وRCAR) من طرف شخصين نشيطين فقط لكل متقاعد، وهو معدل يُعد ضعيفا جدا مقارنة بالمعايير الدولية، فإن حتى النظام الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، الذي يتمتع بهامش ديمغرافي أوسع، بدأ يشهد منحى تنازلياً في تمويله بفعل الشيخوخة المتزايدة للسكان.
وما يعمّق من تعقيد هذا الوضع، حسب الباحثين، هو الطابع المتعدد والمجزأ الذي يميز أنظمة التقاعد في المغرب، حيث تُدار هذه الأنظمة من قبل مؤسسات مختلفة، وتخضع لقواعد حكامة متباينة، ما يؤدي إلى ضعف التنسيق وتفاوتات كبيرة بين المستفيدين حسب فئاتهم المهنية. هذه الفوارق البنيوية تنعكس سلبا على الأداء العام للنظام، وتفرض الحاجة إلى تفكير جذري في بنية النظام ككل، عوض الاكتفاء بإصلاحات جزئية ظرفية.
الدراسة التحليلية كشفت أيضاً عن معطى بالغ الدلالة، يتمثل في أن الأنظمة الثلاثة الرئيسية تعاني من عجز تقني فعلي، فيما يناهز الدين الضمني لأنظمة التقاعد نسبة 69 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهو ما يشكل ضغطاً مهولاً على مالية الدولة، ويهدد استقرار السياسات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالحماية الاجتماعية في المستقبل المنظور.
في ضوء هذه المعطيات المقلقة، دعت الدراسة إلى تبني إصلاحات اكتوارية وهيكلية عاجلة، تضمن ديمومة النظام، مع التركيز على ضرورة دمج بعد العدالة الاجتماعية في أي توجه إصلاحي مقبل. وفي هذا الإطار، تم اقتراح اعتماد نظام جديد يعتمد على مبدأ النقاط أو الحسابات الافتراضية، وآليات تمويل مزدوجة تأخذ بعين الاعتبار مبدأ التراكم، بما يسهم في تعزيز مردودية المعاشات ورفع مستواها، خاصة لفائدة الفئات ذات الدخل المحدود.
وأكدت الأستاذة الباحثة مريم لواء الدين، المشاركة في إعداد الدراسة، في إفادة خصّت بها موقع هسبريس، أن الإصلاحات المنتظرة ينبغي أن تُبنى على رؤية شاملة وتدريجية، تراعي التغيرات السوسيوديمغرافية والاقتصادية التي يشهدها المغرب. وشددت على أن تحقيق توازن اكتواري مستدام لا يتم فقط بمراجعة نسب الاقتطاع أو سن التقاعد، بل يستلزم بالأساس إعادة النظر في منطق تمويل النظام برمته، وتحقيق اندماج أوسع بين القطاعين العام والخاص، في أفق بلورة نظام تقاعد وطني موحد يقوم على مبادئ العدالة والتكافؤ والمساواة.
وتُبرز الدراسة، التي تمتد على نحو 18 صفحة، تطور نظام التقاعد المغربي منذ نشأته إلى غاية 2021، مرورا بمختلف الإصلاحات والتحولات التي عرفها، ومواكبة للمستجدات المتعلقة بورش تعميم الحماية الاجتماعية. وتوقفت الدراسة عند مسار إدماج العمال المستقلين في نظام التغطية الإجبارية، وسعي السلطات لاحقاً إلى بناء نظام تقاعد مزدوج القطب (عام/خاص)، بما يمهد في النهاية إلى الانتقال نحو نظام أساسي موحد على المستوى الوطني.
لكن، وبالرغم من وجاهة هذه التوجهات، فإن الباحثين يحذرون من تجاهل البعد الاجتماعي لأي إصلاح، خاصة فيما يتعلق بحقوق الفئات الهشة، والقدرة المادية للمواطنين على تحمل الكلفة الجديدة المحتملة للإصلاحات المقترحة. فقد خلُصت الدراسة إلى أن الإجراءات التقنية والمالية، مهما بلغت دقتها، لن تُكتب لها الفاعلية والنجاح إن لم تكن مقبولة اجتماعيا ومدعومة بثقة واسعة من المواطنين، لاسيما أولئك المعنيين بشكل مباشر بالمعاشات كمورد وحيد للعيش في سن التقاعد.
وبينما يقر الباحثون بأن الرهان المالي يظل جوهريا، فإنهم يصرّون على أن نجاح الإصلاح يمر أساساً عبر بناء تعاقد اجتماعي جديد، يُعيد الثقة في النظام، ويضمن دخلاً كريمًا للمواطنين في شيخوختهم، ويحول دون سقوطهم في براثن الفقر بعد نهاية مشوارهم المهني.
إن إصلاح التقاعد في المغرب، في ضوء هذه الدراسة التحليلية العميقة، لم يعد خياراً مؤجلاً أو رهانا تقنيا صرفا، بل غدا ورشا اجتماعيا بامتياز، يتقاطع فيه البعد المالي بالعدالة الاجتماعية، وتتعانق فيه رهانات الاستدامة بالتكافل المجتمعي، في سبيل ضمان كرامة الشيخوخة وصيانة حقوق الأجيال المقبلة.