هل نحن شعب فاسد، أم أنهم أفسدونا؟
بقلم ذ.محمد العبدوني خياري ( الجزء الأول)
” ان فساد المواطن من فساد حكومته وصلاحها من صلاحه”
“ان محاربة الفساد هي قضية الـدولة والمجتمع، الدولة بـمؤسساتها ، من خلال تفعـيل الآليات القانونية لمحاربـة هـذه الـظاهـرة الخطيرة ، وتـجريـم كل مظاهرها للضرب بـقـوة على أيـدي الـمفـسدين” – الخطاب الملكي لجلالة الملك محمد السادس- 30 يوليوز 2016 -بمناسبة ذكرى عيد العرش.
يعرِّف قاموس أكسفورد الفساد بأنه: “سلوك غير صادق أو مخادع من قِبل أولئك الموجودين في السلطة، وعادة ما ينطوي على الرشوة”. الفساد قديم قدم التاريخ البشري، ذكرت الأسرة الأولى في مصر القديمة (3100-2700 قبل الميلاد) الفساد في نظامها القضائي. وُجِدت هذه الممارسة أيضاً في الصين القديمة، في الأساطير الصينية كل بيت لديه إله مطبخ يراقب سلوك أعضائه. يعتمد مصير الأسرة -والذي يتمثل في المكافأة أو العقاب، على هذا التقرير.
الفساد هو سلوك غير قانوني أو غير أخلاقي يقوم به الأفراد أو المؤسسات لتحقيق مكاسب شخصية أو جماعية على حساب المصلحة العامة. وهو ظاهرة عالمية ، تتخذ أشكالًا متعددة مثل الرشوة، والمحسوبية، والابتزاز، والاختلاس، وإساءة استخدام السلطة. يتخلل الفساد جميع مستويات المجتمع من الموظفين العموميين ذوي المستوى المنخفض الذين يقبلون الرشاوى الصغيرة الى القيادات الوطنية الذين يسرقون الملايير وهو مايصطلح عليه ب “الذباب والنمور”. من الصعب تقدير حجم ومدى الفساد على مستوى العالم لأن هذه الأنشطة تتم سراً. لكن يقدّر البنك الدولي أن الرشوة الدولية تتجاوز 1.5 تريليون دولار سنوياً، أو 2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي . لقد أصبح الفساد أسلوباً للعيش في العديد من البلدان. كما أظهرت دراسة أخرى لمنظمة الشفافية الدولية في عام 2017 على مستوى العالم أن حوالي ثلث الأشخاص يعتبرون رؤساءهم و وزرائهم ومسؤولي الحكومة ومديري الشركات والممثلين المنتخبين وضباط الشرطة والدرك فاسدين .
أشكال الفساد عدة: هناك الفساد الإداري، ويشمل الرشوة، والمحسوبية، والابتزاز، وإساءة استخدام السلطة، وهناك الفساد السياسي الذي يتجلى في استغلال النفوذ والسلطة لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية، والتلاعب بالقوانين والتشريعات، وتعطيل آليات المساءلة، وهناك أيضا الفساد المالي الذي يشمل الاختلاس، والتهرب الضريبي، وغسيل الأموال، وإساءة استخدام المال العام. من أسباب الفساد هناك ضعف المؤسسات، وعدم قدرة الجهات الرقابية على ملاحقة الفاسدين، و غياب الشفافية الشيئ الذي يزيد من تفاقم الفساد وصعوبة كشفه ومحاسبة المتورطين. لكن أصعبهم هو الفساد الأخلاقي الناجم عن فقدان القيم والأخلاق الحميدة، وضعف الوازع الديني والوطني، اضافة الى الظلم الاجتماعي حيث يؤدي إلى انتشار الشعور بالإحباط واليأس، مما يدفع إلى تراجع الثقة في الدولة والمؤسسات، وفقدان المواطنين الثقة في القانون وبالتالي زيادة السخط الشعبي، مما يهدد الأمن والاستقرار .
لكن تبقى هناك اليات لمكافحة الفساد: أولها تفعيل دور القضاء الذي يجب أن يكون مستقلاً ونزيهاً وقادراً على محاكمة المتورطين في قضايا الفساد (وزارة العدل عليها أن تكون محايدة وغير تابعة لحزب سياسي، خلاف وزارة الخارجية أو بعض وزارات السيادة) مع تعزيز الشفافية في عمل المؤسسات التي يجب أن تخضع للمساءلة. يجب تطوير التشريعات التي تجرم الفساد وتعزيز الرقابة الداخلية، مع تشجيع الإبلاغ عن الفساد . كما يجب أن يقوم الإعلام والمجتمع المدني بدوره في كشف الفساد وفضح المتورطين وبالأخص توعية المواطنين بمخاطر الفساد وضرورة مكافحته عوض التواطئ والقيام بعملية “تطبالت” والدفاع عن المفسدين. فصمتها عن الفاسدين هو ما شجعهم على الاستمرار وجعل المواطنين شركاء لهم. لقد نما الفساد في أحشاء وطننا ليمد جذوره العميقة في كافة أجهزة الدولة والمواطنين ويشل حركتهم ، وليس هذا وحسب بل اضحي يمثل ثقافة متجذرة عند كافة الناس بكافة الطبقات، الكل يمارس الفساد علي من هم دونه حتي اصبحنا جميعاً فاسدون أما متى «فسدنا؟ وكيف؟ ومن ساهم في تطور هذا الفساد؟ فالأجوبة كثيرة ..
الفساد هو الوحش الذي طالما تربص بأحلام الشعوب، وهناك حكومات في بعض الدول تمكنت من تحويل الفساد من سلوك شاذ ومنبوذ إلى ظاهرة اجتماعية مألوفة يتقبلها الكل وتتوارثها الأجيال، وتساهم التنشئة الاجتماعية بشكل مباشر في ترسيخ القابلية للفساد في شخصية الإنسان، ، والفساد سلوك ينتجه الغياب التام للرقابة الذاتية والمتمثلة في الضمير والمبادئ والرقابة العامة والمتمثلة في القوانين والضوابط التي تسهر على تطبيقها الدولة، وهنا يظهر جليا أن سلطات فاسدة لا يمكن أن تضمن وجودها إلا في مستنقع مجتمعات فاسدة . الفساد صناعة وله علاقة حميمية مع التخلف والجهل، فالأسرة أو المؤسسات التعليمية قد تكون مشتلا و لبنة أساسية في تصدير إنسان فاسد إلى المجتمع، سلوك بسيط ربما في نظر العامة، عدم احترام الصف، المحاباة، استعمال المحسوبية، تقبل الرشوة على شكل هدايا، هي الخطوط الأولى لرسم دولة الفساد والفاسدين، بهدف أن يتحول إلى أخلاق شعب، لا أخلاق مسؤول أو هيئة أو سلطة. فالإنسان يرضخ في الغالب لعادات وأخلاق العامة، وقد يناقض مبادئه من أجل مسايرة عرف الجماعة أو القطيع.
الفساد تسلسل هرمي، يتدرج من الموظف الصغير إلى الوزير، كل منهم يمارس الفساد على مستوى المنصب والمحيط الذي يوجد فيه، وبدرجات متفاوتة، وفي المغرب نحس أنه ليست هناك رغبة حقيقة وإرادة دولة في محاربة الفساد، واقتصرت مكافحته على القوانين والهيئات الشكلية، والتي استنزفت المال العام لعقود، ولم تثمر نتائجا ملموسة، لهذا اتسعت دائرته وتغلل أكثر فأكثر في مفاصل المؤسسات والمعاملات، وأصبح القضاء على الفساد تحديا صعبا وحلما وطنيا بعيد المنال لكن ما يجب معرفته أن الفساد مؤامرة ممنهجة، وأن محاربته تحتاج فقط إلى تفعيل دور الضمير بداخلنا واحترام القوانين والاعتراف بوجود كيان دولة.فالانسان هو خلطة ومزيج بين الفطرة والاكتساب، وقد يطغى احد العناصر على الآخر.