المقاولات الصغرى تعتبر دعم الحكومة مجرد “بريكولاج”
أقرت الحكومة المغربية، من خلال وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، بأحقية المقاولات الصغيرة والمتوسطة والمقاولات الصغيرة جداً والتعاونيات والمقاولين الذاتيين في الاستفادة من 30 في المئة من الصفقات العمومية، وذلك في خطوة اعتبرها المراقبون استجابة متأخرة لمطلب ظل مطروحاً منذ سنوات من طرف الهيئات التمثيلية لأصحاب هذه الفئة من المقاولات.
و أكدت فتاح في جواب كتابي على سؤال تقدم به رئيس فريق التقدم والاشتراكية، رشيد حموني، أن هذا الإجراء يدخل ضمن سياسة الحكومة الرامية إلى تحفيز انخراط القطاع غير المنظم في الاقتصاد الرسمي، بالنظر إلى ما يمثله من رهان اقتصادي واجتماعي حاسم. وأشارت إلى أن قوانين المالية الأخيرة حملت حزمة من التدابير الهيكلية، من أبرزها إصلاح الضريبة على القيمة المضافة، إلى جانب إجراءات مباشرة وغير مباشرة تستهدف تسريع إدماج القطاع غير المهيكل عبر الاستراتيجيات القطاعية الكبرى، وعلى رأسها استراتيجية تنمية الصناعة التقليدية في أفق 2030 ومخطط “الجيل الأخضر” (2020-2030) الذي يعول على العنصر البشري وإحداث جيل جديد من الشباب المقاول.
و أوضحت المسؤولة الحكومية أن البرامج النشيطة للتشغيل مثل “فرصة”، “أوراش” و”إدماج” تمثل دعامة أساسية لدعم هذه الفئة، مؤكدة أن مشروع قانون المالية لسنة 2025 نص على توسيع الاستفادة من هذه البرامج لتشمل أيضاً الأشخاص غير الحاصلين على شواهد، عبر برنامج “تأهيل”، مما يعكس إرادة الدولة في فتح المجال أمام مختلف الفئات الاجتماعية لولوج عالم المقاولة.
ورغم الخطوة الحكومية الجديدة، فإن وضعية المقاولات الصغرى والمتوسطة بالمغرب تظل حرجة. فقد سبق للكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغرى والمتوسطة أن كشفت في تقرير لها عن خسائر مهولة قدرت بـ68 مليار درهم خلال عام 2025، بسبب غياب المراسيم التطبيقية للقانون الصادر سنة 2013، والذي منح هذه المقاولات الحق في 20 في المئة من الصفقات العمومية دون أن يتم تفعيله بشكل عملي.
الأرقام الصادرة عن وزارة العدل والمندوبية السامية للتخطيط في السنوات الأخيرة تعكس بوضوح هشاشة هذه الفئة من المقاولات، حيث يسجل المغرب سنوياً آلاف حالات الإفلاس التي تطال بالدرجة الأولى المقاولات الصغيرة جداً. وتشير المعطيات إلى أن ما يزيد عن 80 في المئة من النسيج الاقتصادي الوطني يتكون من مقاولات صغيرة ومتوسطة، إلا أن ضعف قدرتها على الولوج إلى التمويل وغياب المرافقة التقنية والإدارية يجعلها الأكثر عرضة للتوقف عن النشاط.
العديد من الفاعلين الاقتصاديين يؤكدون أن المقاولات الصغرى، رغم كونها عصب الاقتصاد الوطني ومصدراً أساسياً لفرص الشغل، تظل الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج، إذ تواجه منافسة غير متكافئة مع المقاولات الكبرى، وتعاني من تعقيدات المساطر الإدارية والجبائية. هذا الوضع أدى إلى تفاقم ظاهرة الإفلاس الجماعي، التي ارتفعت وتيرتها بشكل لافت منذ جائحة كورونا وما تلاها من تداعيات اقتصادية عالمية.
ومع أن الحكومة أعلنت عن تخصيص 30 في المئة من الصفقات العمومية لهذه الفئة، إلا أن الخبراء يرون أن التحدي الحقيقي يكمن في تنزيل هذا الإجراء على أرض الواقع من خلال مراسيم تطبيقية واضحة وشفافة، تراعي العدالة في توزيع الطلبيات العمومية وتتيح للمقاولات الصغرى فرصة حقيقية للنهوض والمنافسة، بدل الاكتفاء بالإعلان عن نوايا إصلاحية دون أثر ملموس.
في ظل هذه التحديات، يبقى مستقبل المقاولات الصغرى رهيناً بمدى قدرة السياسات العمومية على الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة الفعلية، عبر تبسيط المساطر، تمويل ملائم، ومواكبة ميدانية حقيقية تضمن لهذه المقاولات ليس فقط البقاء، بل التحول إلى رافعة فعلية للنمو الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب.