تقرير: صورة فرنسا تراجعت في المغرب كثيرا

0

أظهر تقرير حديث صادر عن شبكة “أفرو باروميتر” البحثية أن صورة فرنسا في المغرب تعرف تراجعاً غير مسبوق، إذ عبّر 45 في المائة من المغاربة عن اعتقادهم بأن تأثير باريس سلبي على بلادهم، مقابل 32 في المائة فقط رأوه إيجابياً. هذا التحول يبرز استثناءً لافتاً في وقت يقيّم فيه الرأي العام المغربي بشكل إيجابي مختلف القوى الدولية والإقليمية الأخرى، ما يعكس تراجعاً ملحوظاً في المكانة التي كانت فرنسا تحظى بها تقليدياً في وجدان المغاربة.
التقرير، الذي بُني على عينة تمثيلية تضم 1200 مواطن مغربي أجريت معهم مقابلات ميدانية في فبراير 2024، أشار إلى أن الاتحاد الأوروبي ينال تقييماً إيجابياً من 69 في المائة من المغاربة، فيما يمنح 61 في المائة ثناءً مماثلاً للاتحاد الإفريقي، و60 في المائة يثمنون دور الصين، بينما يرى 59 في المائة أن الولايات المتحدة تترك أثراً إيجابياً على المغرب. أما اتحاد المغرب العربي فيحظى بدوره بنظرة إيجابية من 53 في المائة من المستجوبين. في هذا السياق، يبرز موقف المغاربة من فرنسا كحالة شاذة، بعدما ارتبطت لعقود بصورة “الشريك الاستراتيجي الأول”، وهو ما يكشف عن تحوّل في المزاج الشعبي قد يرتبط بتوترات سياسية، وتعقيدات اقتصادية، وصعوبات مرتبطة بمصالح الجالية المغربية في الديار الفرنسية.
في مقابل هذا التراجع، تبدو قوى أخرى في صعود. الصين، على سبيل المثال، ورغم أن نسبة من يرون أن لها تأثيراً كبيراً على المغرب تراجعت من 80 في المائة سنة 2022 إلى 68 في المائة سنة 2024، إلا أن النظرة الإيجابية تجاه هذا التأثير ارتفعت بـ10 نقاط مئوية لتصل إلى 60 في المائة. هذا التحول يوحي بأن الحضور الصيني لم يعد يُنظر إليه فقط من زاوية النفوذ، بل من زاوية الشراكة الاقتصادية والتنموية التي تحقق مكاسب ملموسة للبلاد.
الأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة الأمريكية، التي حازت على تقييم إيجابي لدى 59 في المائة من المغاربة. ورغم أن واشنطن لطالما ارتبطت بصورة القوة العالمية ذات المصالح المعقدة، فإن المغرب يبدو قادراً على الاستفادة من انفتاحها عبر شراكات اقتصادية وتجارية، وأيضاً عبر أدوارها السياسية في ملفات إقليمية حساسة.
التقرير أبرز كذلك أن 65 في المائة من المغاربة يفضلون الانفتاح التجاري على سياسات الحماية، و72 في المائة يؤيدون انفتاح التجارة مع كل دول العالم. هذه النزعة الانفتاحية، وإن كانت تلتقي مع مصالح الصين وأمريكا، فإنها تكشف في المقابل عن محدودية حضور فرنسا في الوعي الاقتصادي الجديد للمغاربة. فباريس لم تعد الشريك التجاري والثقافي الأوحد، بل باتت ضمن قوى عديدة تتنافس على موقع داخل السوق المغربية.
من جهة أخرى، أظهر الاستطلاع أن الوعي بمشروع منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية يبقى ضعيفاً جداً، إذ لم يسمع به سوى 6 في المائة من المستجوبين. ومع ذلك، عبّر 77 في المائة من المغاربة عن رغبتهم في أن تحظى الدول الإفريقية بتمثيل أقوى في المنظمات الدولية، ما يعكس ميلاً متنامياً نحو تعزيز العمق الإفريقي للمغرب على حساب الارتباط التقليدي بفرنسا.
كما أكد التقرير أن 74 في المائة ممن يعرفون تفاصيل الغزو الروسي لأوكرانيا يفضلون بقاء المغرب على الحياد، في انسجام مع سياسة خارجية توازن بين الشركاء الدوليين دون الانخراط في محاور متصارعة. هذا الموقف، وإن بدا سياسياً في جوهره، فإنه يعكس أيضاً وعياً شعبياً بضرورة تنويع الشراكات، بما فيها الانفتاح على الصين وأمريكا، مع تقليص الاعتماد التاريخي على فرنسا.
هكذا يكشف التقرير أن المغرب يعيش مرحلة إعادة ترتيب أولوياته في الوعي الشعبي، حيث باتت باريس في موقع الدفاع عن صورة تتآكل، بينما تصعد واشنطن وبكين كبديلين محتملين لشراكات أوسع وأكثر براغماتية. بين فرنسا التي يفقد حضورها بريقه، وقوى صاعدة تفرض نفسها، تبدو خريطة العلاقات الدولية للمغرب مرشحة لمزيد من التحولات خلال السنوات المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.