ساحة جامع الفنا بين التاريخ واللحظة.
بقلم يوسف عاشر
الخامس و العشرون عشرون و ألف تغيرت الملامح و اهتزت الارتسامات و بدأت تدريجياساحة تختفي تعابير السرور من وجوه لطالما شكلت جزءا كبيرا من حقبة زمنية امتدت في طولها من عهد الدولة المرابطية في ساحة عرفت بانها مجد الحضارات و فيها ترتقي الروح ،
فهي القلب النابض لإفريقيا بل هي عروق تضخ النبض في مختلف ساحات العالم من ساحة القديس مارك في إيطاليا وصولا الى الميدان الكبير في بروكسل بلجيكا و من مختلف ساحات العالم فلن تجد الا معالم اثرية يعود أصلها للبناء العربي و لتاريخ المماليك قد تم تغيير رمزيتها ، لن تجد سوى زوار ياخدون صورا مع معالم تاريخية و ليس الامر المشابه هنا لساحة تتكلم مع زائرها لتخبره انه هنالك خلف كل كلمة يسمعها قصة لم ترويها له بل يجب عليه ان يكتشفها
و لتدخل به بمجرد ان يضع قدمه فيها اول مرة لتجره بسرحها و جو اثيرها من معلمة الكتبية التي تقف ملاكا حارسا عليها حتى ان ينزل من سيارته او يتبع مرافقه او ياتي مشيا من فندقه او من الرياض الذي جلس فيه ووجد فين حس استقبال كأنه مغربي داخل بيته هو أمر اعتيادي
كأنك ولدت أول مرة بمجرد ان تضع فيها رجليك و تدخل وسط الازدحام الذي يملأ أرجاها كأنك تلقي حملا كبيرا من عاتقك و قد تنسى حتى اسمك و لا تتذكر كيف ترامت بك الحياة و تترك كل شيء خلفك و تقول هنا ساكمل حياتي هنا ستعيش من بعدي اجيالي فبمجرد ان تضع قدميك و تشتم رائحة الاطباق الزكية ، التي ستدخل بك في حقبة تاريخية تعود بك لمئات السنين فهنا كل شيء مغربي و لا تغفل الصوت نعم هل سمعته لكل حال احوال إن كنت من أبناء بني الاحمر فهم يضعون جيوشهم هنا و فوق حلقة كناوا يتراصفون و هل من بني الاخضر الذين ابدا لا يتعالون هل نسي المغاربة الحق عندهم في ان هنالك من لهم عليهم عهد ان يجتمعو معهم ولو مرة في السنة ، فبضوضاء المدن لن تجدهم و حالك بهم قد يدعوك لإستقبالهم و قد تكون دعوة متبادلة و إن اردت ان تسمع صوتهم و هم ينادون فبجانب حلقات كناوا ثرات عالمي ستجد الجاز المغربي و الاغنية الشعبية بحد تفاصيلها لتنطلق بك دون شعورك في رحلة إستجمام تدخل بك من ألحانها لحنين ماضيها و تجعل لك قوة أخرى تنطلق بها لعالمها و انظر للعربات الخضراء التي تمتلئ بمذاق لن يسبق لك ان إستطعمته في افخم الفناذق فهنا توجد اسرار الطعام هيا التفت لليمين و دع الصومعة خلفك ادخل للساحة التي داخل ساحة نعم هته التي يتصاعد منها دخان الأطعمة حاول ان تركز مع رائحة واحدة فعطلتك كلها لن تكفيك ان تتذوق كل الاطعمة ركز مع تلك الجرة الموضوعة فوق الفحم نعم هته هي الطنجية ، شكلها يوحي بانها جرة كنوز جرة يوجد داخلها الذهب فلم يختلف القدماء في هذا الامر غير ان هته الجرة بها ذهب من نوع خاص ذهب ياخد ساعات لينصهر و تضاف إليه التوابل ليصبح هشا و ياخد من الوقت الكافي في عملية طهوه و ما ان تضعه داخل فمك و تحاول ان تستطعمه بلسانك فلن يسمح لك بأن تغلق عليه اسنانك حتى ينهصر تاليا داخل فمك و قبل ان يصل لبطنك حتى تصيبك به صعقة لذة في عقلك و تتجاهل الذي سيسألك <هل اعجبك الطبق يا سيدي> هنا كل شيء مقدم بحب
لكن ما خطب الوجوه التي تشكل من هته اللوحة الفنية جزءا كبيرا في وضع معالم الفخر لها نعم إنهم هؤلاء رواد الحلقة اترك طبقك سأخطفك بسرعة لكي ترى ما يجري بعد انتهاء مدة عملهم و بعدما يعود كل عابر سبيل لمكانه لا يبقى الا الذين سهرو في تشكيل فرجة بها يستبشرون لكل من زار المزار و كل من له حال في تغيير الأحوال ان يهب من القليل او الكثير فهي في الاخير سترجع له و إن ليكن له إيمان فهذا مكان الإيمان و إلتقاء جميع الحضارات غير ان الأزمات العالمية و أطماع اخرى تجري في الحسبان أصبحت تهدد سلامة و معيشة رواد الحلقة لكن البركة التي تجري بها السفن في البحر و الحوت الذي بأطنان من الاكل رزقه مضمون فهي أسطوانة تختفي لا تعرض للزائر و ليس له إلا أن يرى بها معالم فخر لساحة شهدت تاريخا عريقا لتشكل منذ انذاك نواة للتسوق و محجا لكل زائر يبحث حاجة له في الشراء و التمتع بالاجواء و ليعرف حتى يدرك أن له داء فيشار له على ان هنالك الحكيم ليخلصه من ألمه الذي رافقه منذ سنوات و لعل التغيير يبدأ من النفس فهي قوة نفسية تمنح لكل زائر دفعة جديدة للإنطلاق و التغلب على كل الصعاب .