خطير: نصف المغاربة بلا تقاعد

0

 

أظهرت بيانات رسمية حديثة صورة مقلقة عن واقع التقاعد في المغرب، تكشف أن أزيد من نصف السكان النشيطين (54%) لا يستفيدون من أي نظام تقاعد، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من نفاد احتياطات أبرز الصناديق في غضون سنوات قليلة، مما دفع السلطات إلى إطلاق ورش إصلاح شامل اعتبره خبراء “الفرصة الأخيرة” لإنقاذ المستقبل الاجتماعي لملايين المغاربة.

و كشفت وثيقة رسمية صادرة عقب الاجتماع الأول للجنة إصلاح أنظمة التقاعد، يقدر عدد السكان في سن العمل بالمغرب بنحو 11 مليون شخص. لكن المفارقة الصادمة أن 6,3 ملايين منهم يعملون خارج أي نظام تقاعدي، فيما يستفيد فقط 3,5 ملايين من أجراء القطاع الخاص المهيكل من تغطية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب حوالي 970 ألف موظف عمومي و187 ألف مستخدم بالمؤسسات العمومية.

و ابرزت ان هذا التفاوت الكبير بين المشمولين بالتغطية والمعزولين عنها يضعف قاعدة المشتركين في الصناديق، ويزيد من حدة أزمتها المالية، في وقت ترتفع فيه أعداد المتقاعدين بشكل مطّرد، مقابل تقلص أعداد المساهمين.

و تكشف المعطيات المالية للصناديق الرئيسية عن مؤشرات إنذار قصوى. فالصندوق المغربي للتقاعد، الذي يغطي موظفي الدولة، يتوقع أن يستنفد احتياطاته المالية بحلول سنة 2028، أي بعد أقل من ثلاث سنوات، وهو ما يعني دخوله في عجز هيكلي سيجعل الدولة مضطرة للتدخل المباشر عبر الميزانية العامة لضمان صرف المعاشات، اما النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، الذي يغطي موظفي المؤسسات العمومية والجماعات المحلية، فرغم امتلاكه رصيدًا احتياطيًا مريحًا يناهز 135 مليار درهم في 2021، ويتوقع له أن يظل في وضعية مريحة إلى حدود 2052، إلا أن تقارير حكومية حذرت من أن فوائضه الحالية ليست سوى ظرفية.

بدوره، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الذي يمثل العمود الفقري لتغطية أجراء القطاع الخاص، يواجه بدوره مستقبلاً غامضًا، حيث تشير التوقعات إلى أنه سيبدأ في تسجيل العجز ابتداءً من سنة 2038، مع تزايد أعداد المتقاعدين وتراجع نسبة المشتركين النشطين.

و تقف الحكومة أمام أزمة جديدة بالكامل، و أمام ملف طالما حذرت منه تقارير وطنية ودولية منذ أكثر من عقد. ففي سنة 2013، أوصت اللجنة الوطنية لإصلاح التقاعد برفع سن الإحالة على المعاش تدريجيًا إلى 65 عامًا، وزيادة نسبة المساهمات من 20% إلى 28%، مع تغيير قاعدة احتساب المعاشات بالاعتماد على متوسط الأجر خلال آخر ثماني سنوات بدل آخر سنتين فقط.

غير أن هذه التوصيات لم تُنفذ سوى جزئيًا، مما عمّق الاختلالات البنيوية. واليوم، تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى المضي نحو إصلاح شامل أكثر جرأة، يتجاوز منطق “الحلول الترقيعية” التي لم تعد قادرة على إنقاذ المنظومة.

و طرحت اللجنة الحالية لإصلاح التقاعد مقترحًا يقوم على إعادة هيكلة شاملة للمنظومة عبر إرساء قطبين رئيسيين قطب عمومي يجمع الأنظمة القائمة الخاصة بموظفي الدولة والمؤسسات العمومية و قطب خاص يدمج أجراء القطاع الخاص والمهن الحرة.

ويستند الإصلاح الجديد على ثلاثة مستويات نظام أساسي موحد يضمن الحد الأدنى من التغطية لجميع العاملين نظام تكميلي إجباري يقوم على نظام النقاط، لتعزيز معاشات الطبقة الوسطى و نظام اختياري تكميلي يعتمد على مبدأ الرسملة، يسمح للأفراد والمهنيين بالادخار لتأمين معاشات مريحة.

كما أوصت اللجنة بإحداث صندوق خاص لتمويل الإصلاح وضمان استدامته، بهدف تقليص العبء المباشر على ميزانية الدولة، والحفاظ على تنافسية المقاولات التي تتحمل جزءًا من مساهمات الأجراء.

و يرى خبراء الاقتصاد والاجتماع أن إصلاح أنظمة التقاعد لم يعد خيارًا بل ضرورة استعجالية. فالمغرب يواجه تحديات كبرى على عدة مستويات ارتفاع الدين العمومي بشكل متسارع و تدهور المؤشرات الديموغرافية مع تقلص عدد النشيطين وارتفاع أمد الحياة و تزايد أعداد المتقاعدين مقارنة بالمساهمين، ما يهدد بمعادلة مختلة ستفاقم العجز الاجتماعي والاقتصادي.

وفي ظل هذه التحديات، تحذّر أصوات أكاديمية ونقابية من أن أي تأجيل جديد سيجعل الكلفة أكبر وأصعب، خصوصًا أن السنوات المقبلة ستشهد تقاعد أعداد متزايدة من موظفي الدولة، في وقت يعاني فيه القطاع الخاص المهيكل من هشاشة بنيوية.

و يضع الوضع حاليا المغرب أمام امتحان سياسي واجتماعي معقد: كيف يمكن إصلاح منظومة التقاعد بما يضمن كرامة المتقاعدين ويحافظ في الوقت ذاته على التوازنات المالية للدولة؟ وهل تنجح الحكومة في إشراك النقابات وأرباب العمل في صياغة “صفقة اجتماعية جديدة” تنقذ صناديق التقاعد من الإفلاس، و بين مؤشرات الإنذار المالي، وضغط الشارع، وتوصيات المؤسسات المالية الدولية، يبدو أن المملكة مقبلة على مرحلة حاسمة، حيث سيكون شكل الإصلاح القادم أحد أبرز محددات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي خلال العقد المقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.