7 ملايين نسمة من المغاربة بالجبال تعيش أوضاعًا صعبة

0

دق حقوقيون ناقوس تدهور الاوضاع بالمناطق الجبلية في المغرب ، مؤكدين ان المناطق لم تعد تقتصر على وصفها كفضاءات طبيعية خلابة أو ملاذات للسياحة البيئية، بل أصبح يرتبط اليوم بقضية عدالة مجالية وإنصاف اجتماعي وسياسي. فهذه المناطق، التي تغطي حوالي 178 ألف كيلومتر مربع من التراب الوطني أي ما يقارب 26% من المساحة الإجمالية للمملكة، وتضم أزيد من سبعة ملايين نسمة، تعيش منذ عقود أوضاعاً معقدة تترجم في شكل هشاشة بنيوية وغياب مقومات تنمية منصفة.

الائتلاف المدني من أجل الجبل، وهو إطار جمعوي يضم فعاليات وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني، وجه في ورقة توجيهية مطولة نداءً صريحاً إلى السلطات العمومية، طالب فيه بضرورة اعتماد سياسة عمومية مندمجة تتجاوز المقاربات القطاعية المجزأة، وتضع الإنسان الجبلي في قلب معادلة التنمية. وحذر الائتلاف من استمرار “الإقصاء والتهميش” الذي يرزح تحته سكان هذه المناطق، رغم ما يشكلونه من وزن ديمغرافي واستراتيجي على المستوى الوطني.

و تشير معطيات الائتلاف إلى أن ساكنة الجبال تعاني من ضعف حاد في البنيات التحتية الأساسية: طرق غير معبدة، مسالك وعرة، نقص في المرافق العمومية، وصعوبات في الولوج إلى التعليم والصحة. وتظل نسب الفقر والأمية مرتفعة بشكل لافت مقارنة بالمعدل الوطني، وهو ما يكرس واقع التهميش ويضاعف من حدة الهجرة القروية نحو المدن.

على المستوى الصحي، يواجه السكان خصاصاً كبيراً في المستشفيات والمراكز الصحية، مع ندرة الأطر الطبية وضعف الوسائل اللوجستيكية، ما يجعل أبسط الحالات المرضية تتحول أحياناً إلى مآسٍ حقيقية. أما في قطاع التعليم، فالعزلة الجغرافية وغياب مؤسسات قريبة يدفع الأطفال، وخاصة الفتيات، إلى الانقطاع المبكر عن الدراسة. ويزيد هذا الوضع من هشاشة الأسر ويعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية.

و اقترح الائتلاف المدني حزمة من المداخل العملية، في مقدمتها إحداث هيئة وطنية خاصة بتنمية المناطق الجبلية، تتمتع بصلاحيات واسعة وتعمل بتنسيق مع مختلف القطاعات الوزارية، على أن تكون قادرة على بلورة مشاريع تنموية ملموسة ومتكاملة. كما دعا إلى إحداث مجلس استشاري للجبل يضم خبراء وممثلين عن الساكنة والمجتمع المدني، مهمته تتبع وتقييم السياسات العمومية الموجهة لهذه المناطق وضمان مشاركة السكان في صياغة القرار.
و طالب الائتلاف بإعداد قانون إطار خاص بالجبل، يضع أسساً واضحة وملزمة للتنمية الجبلية ويضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للساكنة، مع إدماج خصوصيات البيئة المحلية والتنوع الثقافي في السياسات العمومية.

و يرى الائتلاف أن المناطق الجبلية لا يجب أن تبقى مجرد فضاءات مهمشة، بل يمكن أن تتحول إلى قاطرة للتنمية المستدامة بفضل مؤهلاتها الطبيعية والبيئية والبشرية. وهنا يقترح تبني نموذج اقتصادي جبلي أخضر يرتكز على عدة محاور تطوير السياحة البيئية والإيكولوجية: الجبال المغربية تزخر بمناظر خلابة، وموارد طبيعية متنوعة، وتراث ثقافي أصيل يمكن أن يشكل رافعة لجذب السياح داخلياً وخارجياً، شرط أن يتم الاستثمار فيها بشكل مستدام يحافظ على التوازن البيئي و تشجيع الزراعة المستدامة: من خلال دعم الزراعات المعيشية التي تشكل أساس الأمن الغذائي المحلي، مع إدماج تقنيات حديثة للرفع من الإنتاجية دون استنزاف الموارد الطبيعية و استثمار الطاقات المتجددة: مثل الطاقة الشمسية والريحية والمائية، والتي تتوفر المناطق الجبلية على إمكانيات كبيرة لاستغلالها، مما يساهم في خلق فرص شغل محلية وتقليص التبعية الطاقية.

و أوصى الائتلاف بتقوية صندوق خاص لتنمية المناطق الجبلية عبر تخصيص موارد إضافية من الميزانية العامة، وإقرار مساهمات إلزامية على الشركات المستغلة للموارد الطبيعية المحلية، بما يضمن إعادة توزيع الثروات بشكل عادل.

و شدد على ضرورة تحسين الولوج إلى التعليم من خلال بناء مدارس داخلية وخارجية وإحداث أقطاب جامعية متخصصة قريبة من المناطق الجبلية، فضلاً عن تعزيز المنظومة الصحية عبر تجهيز المستشفيات المحلية وتوفير النقل الصحي الجوي في الحالات المستعجلة. ولا يقل عن ذلك أهميةً تطوير البنيات التحتية الأساسية من طرق ومسالك ومرافق، لفك العزلة عن القرى والمداشر النائية.

و يختم الائتلاف المدني ورقته بدعوة الفاعلين السياسيين وصناع القرار إلى “الإنصات لصوت الجبل وساكنته”، مؤكداً أن العدالة المجالية والإنصاف الترابي يمثلان شرطاً أساسياً لتحقيق تنمية متوازنة ورفع الغبن عن ملايين المغاربة الذين يعيشون في مناطق جبلية، انها رسالة واضحة لا يمكن لأي نموذج تنموي وطني أن ينجح دون أن يضع ضمن أولوياته معالجة الفوارق المجالية، ورد الاعتبار للإنسان الجبلي الذي ظل لعقود رهين التهميش والعزلة، رغم أن الجبل لم يكن يوماً عبئاً على الوطن، بل كان على الدوام جزءاً من قوته البيئية والاستراتيجية والثقافية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.