مجلس المنافسة يدرس أسعار المقاهي وأجور العاملين

0

يقترب مجلس المنافسة من وضع اللمسات الأخيرة على التحقيق الذي باشره منذ نحو سنة بخصوص سوق استهلاك المشروبات داخل المقاهي المغربية، وسط جدل كبير حول شبهات التنسيق بين بعض المهنيين لتحديد الأسعار. مصدر مسؤول داخل المجلس كشف أن الخلاصات النهائية ستكون جاهزة للتداول الداخلي مع نهاية أكتوبر المقبل، على أن تنشر الصيغة الرسمية الكاملة للتقرير في متم دجنبر كأبعد تقدير.

المصدر ذاته أوضح أن تشعبات الملف وكثرة المتدخلين كانت السبب الرئيسي وراء التأخر في إعلان النتائج، إلى جانب ضرورة عقد جلسات استماع شاملة لجميع الأطراف المعنية، سواء من ممثلي المقاهي أو المطاعم أو الموردين. وأكد أن المجلس حرص على اتباع مسطرة دقيقة وشفافة، حتى لا يتم الطعن في المسار أو التشكيك في نزاهته.

وبشأن التساؤلات حول وجود خلاصات أولية تؤكد بالفعل خرق قواعد المنافسة عبر تحديد الأسعار، شدد المصدر على أن نتائج التحريات لم تعرض بعد على أعضاء المجلس، مشيرا إلى أن المقرر العام والفريق المشرف على البحث وحدهما من يتوفران حاليا على المعطيات الأولية، في انتظار إخراج التقرير إلى التداول الرسمي.

و بيّن أن التحقيق لم يقتصر على المقاهي والمطاعم، بل شمل أيضا الموردين المحليين وتتبع الأسعار على الصعيد الدولي، بما يسمح بإجراء مقارنات دقيقة. وأضاف: “حين نعرض النتائج للرأي العام، سنوضح كل هذه التفاصيل”، مؤكدا أن القانون يضمن استقلالية عمل المقرر العام والفريق التقني من أي تدخل خارجي.

وكان مجلس المنافسة قد نبه في وقت سابق إلى أن مقتضيات القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة تحظر بشكل صريح جميع أشكال الاتفاقات أو التفاهمات، سواء العلنية أو الضمنية، إذا كان هدفها أو نتيجتها التأثير على حرية تكوين الأسعار في السوق. وهو ما جعل شبهات تدارس المهنيين لزيادة أسعار المشروبات داخل المقاهي موضوع متابعة دقيقة من طرف المجلس، الذي وعد باتخاذ كافة الإجراءات القانونية في حال ثبوت المخالفات.

بالتوازي مع التحقيق الجاري داخل مجلس المنافسة، أظهرت دراسة سوسيولوجية جديدة أن قطاع المقاهي والمطاعم يعاني هشاشة بنيوية عميقة، تجعل العاملين فيه عرضة لمزيج من التهميش الاجتماعي والاقتصادي. الدراسة، المنجزة من طرف الباحث محمد لعويد عن جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، صدرت في العدد الأخير من مجلة الباحث للدراسات والأبحاث العلمية تحت عنوان: صعوبات الاندماج المهني للعمال في المشاريع الصغرى.

وكشفت نتائج البحث، الذي اعتمد مقاربة كمية وكيفية عبر استبيانات ومقابلات وملاحظة ميدانية، أن 82 في المائة من العاملين لا يتوفرون على عقود عمل رسمية، ويشتغلون بناءً على اتفاقيات شفهية هشة. كما أظهرت المعطيات أن القطاع غير المهيكل يمثل حوالي 86 في المائة من الوحدات الاقتصادية، ما يفسر غياب الحماية الاجتماعية والقانونية الأساسية للأجراء.

أما على مستوى التفاوتات الجندرية، فقد أبرزت الدراسة أن النساء يشكلن 72 في المائة من اليد العاملة الأقل أجرا (النظافة، الخدمة)، فيما تظل المناصب الإدارية بيد الرجال بنسبة 85 في المائة. كما سجلت أن 38 في المائة من العاملات تعرضن للتحرش الجنسي أو الرمزي، وأن فجوة الأجور بين الجنسين تصل إلى 22 في المائة لصالح الرجال حتى في المهام المماثلة.

ولم تغفل الدراسة تأثير التحولات الاقتصادية والمناخية، إذ أوردت أن 80 في المائة من المقاهي تكبدت خسائر بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية المرتبط بالجفاف. كما أن 45 في المائة من المؤسسات تبنت منصات التوصيل الرقمي مثل “Glovo”، في حين أن 68 في المائة من العمال غير قادرين على التعامل مع هذه الأدوات الحديثة، ما يفاقم هشاشتهم في مواجهة التحولات الرقمية.

ومن بين أبرز التوصيات التي خلص إليها الباحث تبسيط النظام الضريبي ومنح تراخيص مجانية لثلاث سنوات للمقاولات الصغيرة و مأسسة الاقتصاد غير المهيكل وربطه بالتغطية الصحية الإجبارية و مكافحة التحرش والتمييز عبر آليات تبليغ مجهولة وتغريم المؤسسات المتقاعسة و تمويل المشاريع النسائية بقروض ميسرة لا تتجاوز فائدتها 1 في المائة و محو الأمية الرقمية وتوفير مراكز تكوين مجانية في التحول الرقمي والممارسات الخضراء و إنشاء صندوق طوارئ خاص بالجفاف واعتماد الطاقة الشمسية كوحدة أساسية في المقاهي الصغيرة.

و يستعد مجلس المنافسة لإصدار تقريره الحاسم حول الأسعار، تؤكد الدراسة أن الهشاشة البنيوية للقطاع لا ترتبط فقط بفوضى الأثمان، بل تمتد إلى غياب العدالة الاجتماعية والتنظيمية، وهو ما يجعل أي إصلاح اقتصادي مرهوناً بربط المساءلة القانونية بالعدالة الاجتماعية داخل المقاهي والمطاعم المغربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.