الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تحقق في صفقات الجماعات الترابية

0

شرعت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في توجيه استدعاءات عاجلة إلى عدد من المقاولين ومسؤولي جماعات ترابية بجهة الدار البيضاء-سطات، وذلك في إطار مسطرة بحث معمقة بخصوص شبهات تحوم حول صفقات عمومية وسندات طلب تعود لسنوات سابقة. هذه الخطوة الجديدة تأتي في سياق سلسلة من التحقيقات التي تضع تحت المجهر علاقة المال العام بالتدبير الجماعي، وتكشف عن خيوط معقدة من التلاعبات والتواطؤات.

 

و اظهرت التحقيقات الجارية انها لم تقتصر على المقاولين وحدهم، بل امتدت إلى منتخبين ورؤساء جماعات سابقين وجدوا أنفسهم أمام معطيات مفاجئة، تتعلق بعمليات نهب وتلاعب في صفقات تخص أشغال التهيئة والتوريدات المختلفة. وقد كشفت إفادات عدد من المقاولين عن تفاصيل دقيقة بخصوص ترسيات مشبوهة، جرى خلالها تفصيل دفاتر تحملات على مقاس شركات بعينها، ما مكّنها من الاستحواذ على صفقات متتالية لسنوات طويلة.

 

و أظهرت الشهادات المقدمة أن بعض الجماعات كانت تضطر إلى تحمل تكاليف إضافية لاستكمال مشاريع بعد انسحاب مقاولات عاجزة عن تنفيذ التزاماتها، الأمر الذي كبّد ميزانيات الجماعات خسائر متراكمة، فضلا عن تكاليف المنازعات القضائية الناتجة عن ذلك.

 

و اشارت المصادر الى انه لا تقف التحقيقات عند حدود المقاولين ورؤساء الجماعات السابقين، بل يرتقب أن تشمل موظفين وتقنيين يعملون داخل مصالح حساسة، أبرزها أقسام الصفقات والتعمير والجبايات. المعطيات المتوفرة تشير إلى أن التواطؤ كان ممنهجا، وأن بعض الصفقات مرّت عبر بوابة الصفقات العمومية الإلكترونية بشكل صوري، في حين بقيت صياغة شروطها تحت هيمنة الإدارات الجماعية. و عدد من المقاولين تحدثوا عن ضغوط مارسها رؤساء جماعات لإجبارهم على الدخول في عروض مشتركة مع شركات مملوكة لأقارب أو معارف منتخبين محليين، بهدف ضمان حصولها على الصفقات. في المقابل، استفادت مقاولات محظوظة من شبكة من الامتيازات، مكّنتها من الهيمنة على مشاريع متعددة، مقابل عمولات ورشاوى مقنّعة.

 

بالتوازي مع تحركات الفرقة الوطنية، دخلت المصالح المركزية لوزارة الداخلية على خط ضبط ميزانيات الجماعات الترابية، في ظل الوضعية المالية الهشة التي تعيشها العديد منها. فقد دعت مديرية المالية الجماعية عبر الولاة والعمال إلى إلزام رؤساء الجماعات بعدم الالتزام بأية نفقات جديدة قبل تسوية الديون والأحكام القضائية النهائية العالقة بذمتها، والتي تقدر بمليارات الدراهم.

 

وشددت التوجيهات الجديدة على ضرورة ضبط نفقات التسيير وحصرها في الضروريات، مثل الأجور والإنارة العمومية وخدمات النظافة والنقل العمومي، مع وقف نزيف الميزانيات في مصاريف غير ذات مردودية كالحفلات والوقود واقتناء السيارات.

 

و رصدت التقارير الداخلية، أيضا، حالات من التسيب في إعداد وتنفيذ الميزانيات، إلى جانب ضعف واضح في تحصيل الموارد الذاتية للجماعات، خصوصا الرسوم والضرائب المحلية، ما أدى إلى تفاقم مديونيتها. كما تبيّن أن العديد من الجماعات تعمد إلى المبالغة في نفقات الاستهلاك على حساب المشاريع الاستثمارية ذات الأثر المباشر على الساكنة.

 

و أعادت هذه التطورات  إلى الواجهة النقاش البرلماني حول الإطار القانوني المنظم للصفقات العمومية، وخاصة سندات الطلب التي تعتبر المدخل الأكثر استغلالا للتلاعب. فالممارسات القائمة أثبتت أن المقاولات الصغيرة جدا لم تستفد من هذه الآلية، بعدما لجأ كبار المزودين إلى تأسيس شركات فرعية للفوز بالصفقات الصغيرة، مستغلين قوتهم المالية واللوجستية.

 

و تكشف التحقيقات الجارية  عن شبكة معقدة من المصالح المتداخلة بين منتخبين ومقاولين وموظفين جماعيين، وتضع تحت المجهر حجم الخسائر التي تكبدتها الجماعات الترابية بسبب اختلالات التدبير. في المقابل، تعكس توجيهات وزارة الداخلية رغبة في إرساء قواعد جديدة للصرامة والشفافية، حتى لا تتحول ميزانيات الجماعات إلى أداة للهدر والزبونية على حساب التنمية المحلية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.