مراقبة برلمانية: مخططات الحكومة للتشغيل فاشلة
عاد ملف التشغيل في المغرب إلى واجهة النقاش السياسي، بعدما وجّه حزب التقدم والاشتراكية انتقادات حادة للحكومة، متهمًا إياها بتقديم وعود “غير واقعية” ومرتبطة بـ”أحوال الطقس”، في إشارة إلى تبرير ضعف مؤشرات الشغل بالعوامل المناخية، وفي المقابل، أقرت الحكومة بارتفاع معدلات البطالة، لكنها أكدت في الوقت نفسه أنها بصدد مضاعفة الجهود، مع تحقيق بعض التراجع النسبي في الأرقام الرسمية، وفقًا لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط.
و في مداخلة خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، قالت النائبة البرلمانية عن حزب التقدم والاشتراكية، الرفعة ماء العينين، إن الحكومة وعدت بخلق مليون منصب شغل، غير أن الواقع والمعطيات الرسمية تؤكد أن هذا الوعد صعب التحقق، مشيرة إلى أن معدل البطالة في صفوف الشباب داخل المدن تجاوز 47 في المائة، وهي نسبة “مقلقة ومؤشرة على أزمة اجتماعية خانقة”.
وأضافت النائبة أن برامج التشغيل التي بشرت بها الحكومة، وعلى رأسها “فرصة” و“أوراش”، تحولت إلى “مأساة حقيقية” بالنسبة لعدد كبير من الشباب والشابات، بعدما واجهت عراقيل في التمويل والتنفيذ والمتابعة، ولم تحقق الأثر المنتظر في إدماج الفئات المستهدفة في سوق العمل.
واعتبرت ماء العينين أن الحكومة جاءت في نهاية ولايتها بـ“خريطة طريق جديدة للتشغيل” بقيمة مالية تناهز 15 مليار درهم، غير أنها “تربط تحقيق أهدافها بظروف الطقس والمطر”، في إشارة إلى تأثير الأوضاع المناخية على القطاعات الإنتاجية، خصوصًا الفلاحة التي تبقى مشغلاً رئيسيًا في المغرب.
وأضافت أن “مخططات التشغيل لا يمكن أن تكون رهينة للعوامل المناخية، بل يجب أن ترتبط بقرارات اقتصادية وهيكلية جريئة، تضع الاستثمار والإنتاج في صلب النموذج التنموي الجديد”، داعية الحكومة إلى مراجعة مقاربتها والتعامل بجدية مع “أزمة البطالة والهشاشة الاجتماعية”.
وانتقد حزب التقدم والاشتراكية ما وصفه بغياب رؤية استراتيجية لدى الحكومة لمعالجة الأسباب العميقة للبطالة، متسائلًا: “ماذا ستفعل الحكومة أمام هجرة أكثر من مليون مغربي من القرى نحو المدن؟ وكيف ستتعامل مع تفاقم معدلات الفقر التي تدفع الملايين إلى الهشاشة واللامساواة؟”
وشدد الحزب على أن تحقيق التشغيل اللائق لا يمكن أن يتم إلا عبر تحول اقتصادي شامل ينسجم مع توصيات النموذج التنموي الجديد، الذي دعا إلى اقتصاد منتج قائم على الابتكار والتصنيع المحلي والعدالة المجالية.
من جهته، أقرّ يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، بأن نسبة البطالة في المغرب بلغت سنة 2024 حوالي 13.7 في المائة، وهي نسبة “قياسية وغير مريحة”، مضيفًا أن الحكومة لا تُنكر صعوبة الوضع، لكنها سجلت “تحسنًا نسبيًا” بعد تراجع النسبة إلى 12.8 في المائة خلال السنة الجارية، حسب آخر إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط.
وأوضح السكوري أن التراجع الطفيف في البطالة جاء نتيجة خلق أكثر من 300 ألف منصب شغل في السنة الماضية، رغم فقدان 70 ألف منصب في القطاع الفلاحي بسبب الجفاف والظروف المناخية القاسية.
وقال الوزير: “هل نحن راضون عن هذه الأرقام؟ طبعًا لا، لكن يجب الاعتراف بأن هناك مجهودًا ملموسًا، ونحن نعمل على مضاعفة الجهود والميزانيات في مشروع قانون مالية 2026 لدعم التشغيل”.
وكشف السكوري عن نية الحكومة إطلاق حوار وطني واجتماعي حول الأنماط الجديدة للشغل، مشيرًا إلى أنه راسل النقابات لفتح نقاش حول مراجعة مدونة الشغل بما يتلاءم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية وسوق العمل الجديد.
كما أشار الوزير إلى أن وكالة “لانابيك” تعمل على إدماج فئة الشباب غير الحاصلين على شهادات في سوق الشغل، عبر برامج موجهة وتكوينات مهنية قصيرة المدى، معتبرًا أن هذه الفئة تمثل تحديًا حقيقيًا أمام السياسات العمومية.
يبدو من خلال هذا الجدل أن ملف التشغيل لا يزال يمثل نقطة ضعف بارزة في الحصيلة الحكومية، إذ تواجه السياسات العمومية صعوبة في المواءمة بين الوعود السياسية والطاقة الاقتصادية الفعلية، وبين المؤشرات المعلنة والميدان الواقعي الذي يعيش فيه آلاف العاطلين من الشباب.
وبينما تعتبر الحكومة أن إصلاح منظومة التشغيل يتطلب وقتًا ورؤية متدرجة، يرى حزب التقدم والاشتراكية أن “الوقت نفد” وأن التأجيل لم يعد خيارًا أمام أزمة اجتماعية تزداد حدّة مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.