البيجيدي: الفساد ينهش الاقتصاد بضياع 50 مليار درهم سنويا
دق حزب العدالة والتنمية، ناقوس الخطر، مؤكدا أن محاربة الفساد لم تعد ضمن أولويات الحكومة الحالية التي يرأسها عزيز أخنوش، والتي ساهمت، حسب قوله، في “تعميق الوضع المأساوي” الذي تعيشه البلاد في هذا الملف الثقيل.
وأوضح حيكر أن التقارير الرسمية الصادرة عن مؤسسات وهيئات دستورية تؤكد التراجع الكبير في مؤشرات النزاهة والشفافية، مشيراً إلى أن المغرب حافظ على الرتبة 99 من أصل 180 دولة في مؤشر إدراك الفساد، بنقطة تقييم لا تتعدى 37 نقطة، وفق ما أورده تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. وهو ما يعني، حسب النائب، أن “البلاد لم تحقق أي تقدم يذكر، بل تتقهقر في هذا المجال الحساس، وأضاف أن 68 في المائة من المقاولات المغربية تعتبر أن الفساد أصبح ظاهرة “شائعة ومؤسسة”، في ظل غياب رادع فعلي. واعتبر أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات بدورها كشفت ضعف المتابعات القضائية في ملفات الصفقات العمومية التي يشوبها الفساد، مؤكداً أن “جميع الشكايات لا تعرف أي مآل جدّي.”
حيكر قدّر كلفة الفساد السنوية على الاقتصاد المغربي بما يفوق 50 مليار درهم، وهو رقم مهول يعادل تقريباً ميزانية التعليم في سنوات سابقة، وكان بإمكانه تمويل بناء 12 مستشفى جامعياً كل عام. وأشار إلى أن استمرار هذه الممارسات يُفقد المغرب نقطتين من معدل النمو سنوياً، ويتسبب في ضياع ما بين 70 و100 ألف منصب شغل مباشر، فضلاً عن 150 ألف منصب غير مباشر، مما يفاقم أزمة البطالة ويعمّق الإحباط الاجتماعي.
ولم يتوقف حيكر عند الأرقام فقط، بل وجّه اتهامات سياسية مباشرة للحكومة، متهماً إياها بـ”التراجع المتعمّد عن ورش الإصلاح”. وقال إن عدم عقد اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد ولو مرة واحدة منذ تنصيب الحكومة، “دليل على غياب الإرادة السياسية لمحاربة الفساد.” وأوضح أن هذه اللجنة كان من المفترض أن تجتمع مرتين في السنة على الأقل لتقييم الاستراتيجية الوطنية في هذا المجال، غير أن “الصمت المطبق هو العنوان العريض لهذه المرحلة.”
كما انتقد سحب الحكومة لقوانين أساسية تتعلق بتخليق الحياة العامة، وعلى رأسها مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع، إلى جانب القانون المتعلق بالاحتلال المؤقت للملك العام للدولة، وقانون تضارب المصالح وحماية المبلغين عن الفساد داخل الإدارات العمومية. وقال إن هذه الخطوات “تفضح نوايا الحكومة التي لا تريد تقوية منظومة النزاهة بل تُفرغها من محتواها.”
وفي المقابل، اتهم حيكر الحكومة بإقرار تدابير تشريعية “ذهبت في الاتجاه المعاكس”، مثل مواد من قانون المسطرة الجنائية التي تمنع الجمعيات المدنية من التبليغ عن جرائم الفساد، فضلاً عن “إجراءات ضريبية وجمركية تخدم شركات مقربة من دوائر القرار.” وأشار إلى إعفاءات خاصة في قطاع الأدوية استفادت منها شركات اقتناها أشخاص من محيط رئيس الحكومة، معتبراً أن “الدولة ضحّت بالصناعة الوطنية خدمةً لمصالح خاصة.”
ولم تغب عن خطابه الإشارة إلى فضيحة “الفراقشية” التي اعتبرها “فضيحة سياسية كبرى كشفت المستور”، منتقداً “الالتفاف على لجنة تقصي الحقائق واستبدالها بلجنة استطلاعية صورية.”
وفي سياق متصل، أقرّ نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، بارتفاع غير مسبوق في عدد المتابعات القضائية في جرائم الفساد خلال السنوات الأربع الماضية، سواء في صفوف البرلمانيين أو الموظفين أو القضاة، معتبراً ذلك “مؤشراً على جدّية في الملاحقة، لكنه لا يعني أن الفساد تراجع.”
وأكد بركة، خلال كلمته في ملتقى “الميزان للشباب 2.0” ببوزنيقة، أن “الفساد ما يزال متجذراً ويحتاج إلى عمل أكبر على مستوى القيم قبل القوانين.” وأضاف أن “المشكل اليوم ليس في النصوص، بل في انقلاب منظومة القيم”، قائلاً بمرارة: “أصبح المرتشي الذي يشتري الفيلات والسيارات من أموال مشبوهة يُنظر إليه كشخص ناجح، بينما يُنظر إلى الإنسان النزيه على أنه فاشل ومضيع لعائلته.”
وشدّد على أن إصلاح القيم هو المدخل الحقيقي لتخليق الحياة العامة، داعياً إلى العودة إلى المرجعية الأخلاقية والدينية التي تؤسس للشفافية والاستقامة. كما انتقد “ثقافة الهمزة” والوصولية التي تسللت إلى السياسة والإدارة العمومية، واعتبر أن “انتشارها يُفقد المغاربة الثقة في الدولة ومؤسساتها، وهو أمر أخطر من الفساد ذاته.”
في المحصلة، يبدو أن المغرب يعيش مفارقة صارخة: ارتفاع قياسي في المتابعات القضائية لجرائم الفساد، يقابله اتساع غير مسبوق في الإحساس بانعدام النزاهة وتآكل الثقة. وبين اتهامات المعارضة وتقارير المؤسسات الرسمية، تظلّ الحقيقة المؤلمة واحدة: الفساد ما يزال ينهش الاقتصاد الوطني ويقضم من ثروة البلاد ومستقبل أجيالها، بينما تغيب الإرادة السياسية الحقيقية لاقتلاع جذوره من العمق.