نقابة: المدرسة العمومية تحولت الى حقل تجارب و”سلعة”

0

تشهد الساحة النقابية بالمغرب موجة جديدة من الانتقادات الحادة لسياسات الحكومة في مجالات التعليم والتشغيل والتنمية الاجتماعية، وسط تصاعد الغضب من استمرار ما تصفه النقابات بـ”الاختيارات اللاشعبية” التي تهدد السلم الاجتماعي وتعمق التفاوتات الطبقية والمجالية. وفي هذا السياق، وجهت الجامعة الوطنية للتعليم رسالة شديدة اللهجة إلى وزير التربية الوطنية، سعد برادة، تستنكر فيها تمرير مشروع القانون المتعلق بالتعليم المدرسي دون أي تشاور أو حوار مع النقابات التعليمية، معتبرة ذلك ضرباً صريحاً لمبدأ المقاربة التشاركية الذي أكدت عليه القوانين والاتفاقات الاجتماعية السابقة.
و اوضحت النقابة، أن تمرير القانون بشكل أحادي يمثل “محاولة لفرض أمر واقع دون إشراك الفاعلين الحقيقيين في الميدان”، معتبرة أن هذا التوجه ينسجم مع السياسات النيوليبرالية التي تدفع نحو تقليص دور الدولة في القطاعات الاجتماعية، وعلى رأسها التعليم. وأضافت أن الدولة، بدل أن تتحمل مسؤوليتها في ضمان تعليم عمومي مجاني وذي جودة، تمضي نحو تحميل المواطنين أعباء متزايدة وتقليص الإنفاق العمومي، ما يفاقم مظاهر التهميش واللاعدالة الاجتماعية ويهدد بتفكيك المدرسة العمومية.
وأكدت النقابة أن مشروع القانون 59.21 يمس جوهر مفهوم الدولة الاجتماعية، لأنه يفتح الباب أمام خوصصة التعليم وتسليعه، ويجعل منه سلعة تُعرض في سوق المصالح بدل كونه حقاً أساسياً للمواطنين. وشددت على أن المدرسة العمومية ليست مجالاً للاستثمار والربح، بل فضاء للتنشئة والتربية على القيم، مطالبة بإرجاع المشروع إلى طاولة الحوار ومناقشته بمسؤولية وتأنٍّ مع الشركاء النقابيين لتفادي تفاقم الاحتقان داخل المنظومة التربوية. وحذرت من أن الإصرار على النهج الأحادي في تدبير قضايا التعليم سيزيد من فقدان الثقة بين الشغيلة التعليمية والوزارة، وسيهدد الاستقرار المهني والاجتماعي داخل القطاع.
الجامعة الوطنية للتعليم اعتبرت أن السياسات الحالية تمثل خطراً مباشراً على العدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص، مؤكدة أن التعليم العمومي مسؤولية الدولة، ولا يجوز تفويته أو خوصصته تحت أي مبرر. كما دعت إلى وقفة وطنية للتصدي لما أسمته “تسليع التعليم العمومي”، محذّرة من تبعات هذا التوجه على مستقبل الأجيال الصاعدة وعلى السيادة الوطنية، في ظل ما وصفته بـ”الارتهان لإملاءات المؤسسات المالية الدولية”.
وفي سياق متصل، عبّرت المنظمة الديمقراطية للشغل عن قلقها العميق من الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمغرب، معتبرة أن البلاد “تسير بسرعتين” بسبب تفاقم التفاوتات الطبقية والمجالية واستمرار هشاشة الوضع الاقتصادي. وقالت في بلاغ رسمي إن فشل برامج التشغيل مثل “فرصة” و“أوراش” يعكس غياب رؤية استراتيجية فعالة لمحاربة البطالة، مؤكدة أن هذه البرامج لم تحقق نتائج ملموسة رغم كلفتها الباهظة، وأن المجلس الأعلى للحسابات مطالب بفتح تحقيق حول نجاعة هذه النفقات العمومية.
وسجلت المنظمة أن ضعف النمو وارتفاع المديونية وتزايد مظاهر الفقر المتعدد الأبعاد أفرزت حالة من الإحباط، خصوصاً في صفوف الشباب وخريجي الجامعات، بينما تواجه آلاف المقاولات شبح الإفلاس وما يترتب عن ذلك من فقدان لمناصب الشغل. كما انتقدت قصور نظام الدعم الاجتماعي، معتبرة أن السجل الاجتماعي الموحد يعاني من عيوب كبيرة في مؤشر الاستهداف، مما يؤدي إلى حرمان مستحقين واستفادة غير مؤهلين، إضافة إلى تعثر مشاريع الحماية الاجتماعية.
أما في ما يخص قطاع الصحة، فقد أكدت النقابة أن أكثر من 8.2 مليون مغربي ما زالوا بدون تأمين صحي، فيما تتراجع الخدمات العمومية في المستشفيات بسبب النقص الحاد في الموارد البشرية والمستلزمات الطبية، مقابل توسع القطاع الخاص المدعوم من المال العام.
وفي المجال التعليمي، اعتبرت المنظمة أن المدرسة العمومية أصبحت “حقلاً للتجارب” تُهدَر فيه الأموال عبر مشاريع استعجالية ونماذج منقولة لا تراعي خصوصية الواقع المغربي، مثل “المدرسة الرائدة”، التي وصفتها بأنها محاولة ممنهجة لتدمير المدرسة العمومية والجامعة المغربية. كما انتقدت مشروع قانون المالية لسنة 2026 الذي اعتبرته استمراراً في النهج التقشفي القائم على مقاربات ماكرو-اقتصادية محدودة لا ترقى إلى مستوى بناء دولة اجتماعية حقيقية.
واختتمت المنظمة بلاغها بالدعوة إلى إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية جذرية تنهي منطق الريع والفساد، وتحقق توزيعاً عادلاً للثروة، وتكرّس مبادئ العدالة الاجتماعية. كما شددت على ضرورة محاسبة المسؤولين عن فشل برامج التشغيل والسياسات الاجتماعية، مؤكدة أن المغرب في حاجة إلى مقاربة تنموية شاملة تعيد الثقة في المؤسسات وتعيد الاعتبار للمدرسة العمومية باعتبارها ركيزة أساسية لبناء مجتمع منصف ومتوازن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.