شيشاوة بين التدافع الحضري وسوء تنظيم المجال،والجماعةالحضرية للمدينة تتحمل مسؤولية ترييف المدينة.
تعرف مدينة شيشاوة في السنوات الأخيرة تفاقمًا ملحوظًا في اختلالات التنظيم الحضري، حيث بات التداخل غير المنضبط بين الوظيفة السكنية والأنشطة الحرفية المزعجة من أبرز مظاهر هذا الخلل. فقد انتشرت ورشات النجارة والحدادة وإصلاح الآلات والمحركات داخل أحياء سكنية يفترض فيها الهدوء والأمان، ما حول الحياة اليومية لعدد كبير من الأسر إلى معاناة مستمرة مع الضجيج والتلوث والضغط النفسي، في مشهد يعكس ضعف التخطيط الحضري وغياب الحزم في تنزيل القوانين المنظمة.
هذا الوضع لم ينشأ من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات لسنوات من التوسع العمراني غير المراقب، والتسامح مع أنشطة غير متلائمة مع طبيعة المجال، إضافة إلى محدودية البدائل المتاحة للحرفيين في مناطق مخصصة ومجهزة لمزاولة أنشطتهم. ومع ذلك، فإن استمرار هذه الورشات وسط الأحياء السكنية يطرح إشكالات حقيقية تمس الحق في بيئة سليمة، كما تنص عليه المواثيق الوطنية والدولية، وتؤثر بشكل مباشر على صحة الساكنة، خاصة الأطفال وكبار السن، بفعل الضوضاء المتواصلة والانبعاثات والغبار ومخلفات الزيوت والمواد المستعملة.
ولا تقتصر الآثار السلبية على الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى البعد البيئي والجمالي للمدينة، حيث تشوه هذه الأنشطة المشهد الحضري، وتساهم في تدهور البنية التحتية للأحياء، وتخلق ضغطًا إضافيًا على الأزقة الضيقة وشبكات الصرف والنظافة. كما تؤثر هذه الفوضى المجالية على السلم الاجتماعي، إذ تتكرر حالات التوتر والاحتكاك بين الساكنة وأصحاب الورشات، في ظل غياب حلول تنظيمية واضحة تنصف جميع الأطراف.
من الناحية القانونية، فإن الإطار التشريعي المغربي واضح نسبيًا في هذا المجال، إذ ينص قانون التعمير رقم 12.90 على ضرورة احترام وثائق التعمير، خاصة تصميم التهيئة، الذي يحدد بدقة طبيعة الاستعمالات المسموح بها داخل كل حي، ويفصل بين المجالات السكنية والأنشطة الصناعية أو الحرفية المزعجة. كما تلزم القوانين ذات الصلة بالحفاظ على الصحة والسلامة العمومية، واحترام المعايير البيئية، ومنع كل نشاط من شأنه الإضرار براحة السكان أو تهديد سلامتهم. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب النصوص، بل في ضعف تفعيلها على أرض الواقع، سواء بسبب محدودية المراقبة أو تغليب منطق الأمر الواقع.
وتتقاسم المسؤولية في هذا الوضع عدة أطراف، في مقدمتها الجماعة الترابية التي يقع على عاتقها السهر على حسن تنظيم المجال داخل النفوذ الترابي، ومنح الرخص وفق مقتضيات التعمير، ومراقبة الأنشطة المخالفة، واتخاذ القرارات اللازمة لإعادة توطين الحرف المزعجة في مناطق مخصصة لذلك. كما تتحمل الوكالة الحضرية مسؤولية تتبع احترام وثائق التعمير ومواكبة تنزيلها،