قوانين مكافحة الفساد تفجر الصراع بالبرلمان

0

أعاد النقاش حول مكافحة الفساد إلى الواجهة، خلال جلسة الأسئلة الشفوية الأسبوعية بمجلس النواب، حجم الخلاف القائم بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي ومكونات من المعارضة بشأن الصيغة التشريعية الكفيلة بمواجهة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وتبييض الأموال، في ظل تباين واضح حول حدود التوفيق بين محاربة الفساد وضمان الحقوق والحريات، واحترام قرينة البراءة وشروط المحاكمة العادلة.

وشهدت الجلسة انتقادات من طرف نواب المعارضة للأجوبة التي قدمها وزير العدل، بعدما اعتبروا أن التشديد على الضمانات القانونية لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لتأجيل إخراج التشريعات المرتبطة بمحاربة الفساد، أو الالتفاف على المطالب الرامية إلى تعزيز ربط المسؤولية بالمحاسبة، في مقابل تمسك وهبي بضرورة عدم التعامل مع هذا الورش بمنطق الشعارات والمزايدات السياسية.

وفي هذا السياق، اعتبر عمر محمود بنجلون، النائب البرلماني عن تحالف اليسار، أن التجاوزات التي قد تسجل عند تطبيق القوانين لا يمكن أن تشكل مبررا للتصدي للتشريعات الرامية إلى محاربة الفساد، مؤكدا أن معالجة الاختلالات ينبغي أن تتم من داخل القوانين نفسها، وليس عبر تعطيل وضع إطار قانوني واضح لمواجهة مظاهر الفساد.

وقال بنجلون، في تعقيب على جواب وزير العدل، إن الأصل هو محاربة الفساد في البلاد والمجتمع، ولا يمكن أن يؤدي وجود بعض التجاوزات المحتملة إلى إلغاء هذا التوجه أو التراجع عن سن القوانين المؤطرة لمختلف الممارسات المرتبطة بالإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.

وأضاف أن الحديث عن وجود تجاوزات محتملة في تنزيل التشريعات لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإجهاضها، مشددا على أن المعارضة مستعدة للانخراط في كل المبادرات التي تخدم مصلحة البلاد، شريطة ألا تتحول القوانين إلى أدوات للتحكم التشريعي أو إلى مداخل لمصادرة حرية التعبير.

وأوضح أن لجنة العدل والتشريع ستنكب على دراسة القوانين المرتقبة، مؤكدا أن النقاش البرلماني ينبغي أن يضمن التوازن بين التصدي للفساد وحماية الحقوق والحريات، وأن تكون النصوص التشريعية موضوع تشاور ونقاش حقيقي، بعيدا عن فرض اختيارات قد تثير جدلا واسعا عند تنزيلها.

ولم يقتصر تدخل بنجلون على ملف مكافحة الفساد، بل أثار أيضا إشكالية المساعدة القضائية، معتبرا أن استمرار عدم صرف المبالغ المرصودة لهذا الغرض يطرح أسئلة جدية حول مدى التزام الحكومة بضمان حق التقاضي والدفاع بالنسبة إلى الفئات التي لا تتوفر على الإمكانيات المالية اللازمة لتحمل تكاليف المحاكمات.

وأوضح بنجلون في تصريح للنهار المغربية، أن المساعدة القضائية تهم، بحسب تقديره، نحو 30 ألف أسرة مغربية، وتشمل أشخاصا معنيين بقضايا الاعتقال والطلاق وحوادث الشغل ونزاعات الشغل ونزع الملكية، وهي ملفات يكون فيها الحق في الدفاع مسألة أساسية لضمان ولوج المواطنين إلى العدالة.

وأشار في تصريحه للجريدة، إلى أن وزارة العدل تتوفر على اعتمادات مالية مخصصة للمساعدة القضائية، غير أن هذه المبالغ لا يتم صرفها لفائدة المحاميات والمحامين، وهو ما اعتبره وضعا يطرح علامات استفهام حول أسباب عدم تفعيل هذه الاعتمادات، رغم ارتباطها بحقوق مواطنين لا يستطيعون تحمل تكاليف الدفاع عن أنفسهم أمام المحاكم.

و صعد عبد الصمد حيكر، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، من لهجته في مواجهة وزير العدل، واصفا الأجوبة التي قدمها بشأن مكافحة الفساد بأنها “بئيسة”، معتبرا أن الاستناد إلى قرينة البراءة والمحاكمة العادلة لا يبرر التعامل مع التشريعات المرتبطة بمحاربة الفساد بهذا القدر من التحفظ.

وأكد حيكر أن الدستور لا يقتصر على التنصيص على قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، بل يتضمن أيضا مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فضلا عن منع تنازع المصالح، متسائلا عن سبب التركيز على الضمانات المرتبطة بملفات الفساد دون استحضار باقي المقتضيات الدستورية التي تفرض محاصرة هذه الظواهر.

وتساءل البرلماني عن الكيفية التي يتم بها توظيف مبدأ المحاكمة العادلة في هذا النقاش، وما إذا كان ذلك يعني أن المحاكمات الجارية تفتقر إلى الضمانات المطلوبة، رافضا الاتهامات التي يوجهها وزير العدل إلى منتقدي مقاربته باعتبارهم يمارسون الشعبوية أو يرفعون شعارات سياسية.

و ذكر حيكر بأن حزبه سبق أن تقدم بأربعة مقترحات قوانين تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، والتصريح الإجباري بالممتلكات، ومنع تنازع المصالح، وحماية المبلغين عن الفساد، معتبرا أن الاختبار الحقيقي لموقف الحكومة لن يكون في التصريحات، وإنما في مدى استعدادها لبرمجة هذه المقترحات والتفاعل معها داخل المؤسسة التشريعية.

وفي هذا الإطار، حذر من أن سحب تجريم الإثراء غير المشروع سيظل نقطة خلاف سياسي وتشريعي، معتبرا أن المواقف المعلنة بشأن محاربة الفساد ينبغي أن تترجم إلى إجراءات قانونية ملموسة، لا أن تبقى رهينة النقاشات العامة والتبريرات المرتبطة بصعوبة التنزيل.

في المقابل، دافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن مقاربته، مؤكدا أنه لا يعارض محاربة الفساد، وأنه لا يمكن لأي طرف أن يعلن رفضه لمواضيع من قبيل تضارب المصالح أو الإثراء غير المشروع، لكنه شدد على ضرورة طرح سؤال جوهري يتعلق بالكيفية التي ستتم بها هذه المحاربة، وبالضمانات التي ستؤطر تطبيق القوانين المرتقبة.

وقال وهبي إن محاربة الفساد لا ينبغي أن تتحول إلى شعار سياسي أو موضوع للمزايدات الشعبوية، موضحا أن المطلوب هو وضع تشريعات قابلة للتنفيذ، تحترم في الوقت نفسه قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، كما ينص على ذلك الدستور.

وكشف الوزير أن الحكومة تعتزم تقديم مشروع قانون يتعلق بالإثراء غير المشروع في بداية السنة المقبلة، إلى جانب مشروع قانون بشأن تضارب المصالح وآخر يتعلق بتبييض الأموال، مشيرا إلى أن رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أعلنت بدورها توجهها نحو تقديم قانون خاص بتضارب المصالح أمام البرلمان.

وحذر وهبي من أن منح سلطات واسعة لأجهزة المتابعة دون توفير الضمانات القانونية الكافية قد يفتح الباب أمام تجاوزات تمس الحقوق والحريات، معتبرا أن الإشكال لا يتعلق فقط بطبيعة النصوص، بل أيضا بالجهات التي ستتولى تطبيقها وبحدود الصلاحيات المخولة لها.

وضرب الوزير مثالا بإمكانية تغير المسؤولين المكلفين بإنفاذ القانون، موضحا أن وجود مسؤول نزيه في الوقت الراهن لا يضمن بالضرورة استمرار الوضع نفسه مستقبلا، وهو ما يفرض، بحسبه، بناء منظومة قانونية لا ترتبط بنزاهة الأشخاص، وإنما بضمانات مؤسساتية تحمي الجميع من التعسف.

وبين مواقف المعارضة ودفاع وزير العدل، يتضح أن ورش التشريع لمكافحة الفساد مرشح لمزيد من التجاذب داخل البرلمان، خصوصا مع اقتراب إحالة المشاريع الحكومية المرتقبة. فالمعارضة تطالب بإخراج نصوص واضحة تجرم الإثراء غير المشروع وتمنع تضارب المصالح، بينما تصر الحكومة على ضرورة إحاطة هذه النصوص بضمانات تحول دون توظيفها بشكل تعسفي.

ويضع هذا النقاش المؤسسة التشريعية أمام اختبار مزدوج: الانتقال من الخطاب السياسي حول محاربة الفساد إلى تشريعات قابلة للتطبيق والمحاسبة، وفي الوقت نفسه ضمان ألا تتحول صلاحيات مكافحة الفساد إلى أدوات للمساس بالحقوق والحريات. وبين هذين الرهانين، سيكون النقاش داخل لجنة العدل والتشريع محطة أساسية لتحديد طبيعة القوانين التي ستخرج إلى حيز التنفيذ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.