حمار  الطاحونة 

0

بقلم ذ. محمد العبدوني خياري.

 “ شبهت روحو مثل الحمام مبني على صهد ناره، من فوق ما باين دخان ومن تحت طاب أحجاره”

 وقصة حمار  الطاحونة كما يرويها الأدب الأندلسي: يحكى أن أحد الولاة كان يتفقد أحوال الرعية, فمر بطاحونة, وشاهد حمارًا مربوطً إلى حجر الرحى، ويدور فيدور معه الحجر فيطحن الحب وقد علق صاحبه برقبته جرسًا تعجب الوالي من فعل الرجل، وطلب من مرافقيه أن يحضروه ولما حضر بين يديه سأله لما علقت جرسًا برقبة الحمار؟

قال الرجل: عندي عملٌ كثير، ولا أستطيع أن أجلس أراقب الحمار يعمل وقد علقت الجرس في رقبته فما دمتُ أسمع رنين الجرس فهذا يعني أن الحمار يدور، ويدور معه حجر الرحى وتطحن الحبوب

فقال الوالي: ماذا لو توقف الحمار عن الدوران وأخذ يحرك رقبته والجرس يرن. فقال الرجل: أكرمك الله يا سيدي الوالي لو كانت هذه الفكرة تخطر بباله لما كان حمارًا سيدي الوالي .

 

إن “حمار الطاحونة”، هو المسؤول بعضلاته على طحن الزيتون أو استخراج الماء من عمق بئر أو نهر.. على الحمار أن يدور لتدور طاحونة حجرية تعصر الزيتون، أو لتدور “ناعورة” خشبية تغرف الماء وتفرغه في ساقية معلقة توصل الماء إلى الحقول كل ذلك يتم بدوران الحمار، وإذا توقف يقف كل شيء.. لكن في نفس الوقت ليس من الضروري أن يظل “مراقب” بجانب الحمار يستحثه على الدوران، لهذا يلجؤون إلى حيلة تجعل الحمار يدور حتى ولو لم يبق زيتون في الطاحونة أو ماء في البئر، يكفي أن يضعوا غشاء على عينيه حتى لا يرى ما يدور حوله، ويأمرونه بالحركة مع ضربات متتالية، ثم يعقبها صمت، وضربات أخرى.. وهكذا يبقى الحمار يدور حتى ولو بقي وحده. وفي بعض الأحيان يضعون ناقوسا حول عنقه حتى إذا توقف رنين الناقوس علم صاحبه أنه توقف عن الدوران فيقوم بنغزه أو ضربه. فيأخذ الحمار في الدوران حول الطاحونة محركا بذلك الرحى التي تطحن الحبوب، معتقدا بأنه يمضي قدما في حين انه لم يبرح مكانه، لا يتردد في مواصلة تكرار العملية بعقلية الغباء والغياب الكليين في دائرة اللهاث العبثية، أما صاحبه فيفوز بالدقيق دون عناء. لذلك ترى ( حمارَ الطاحونةِ) مُقَوَّسَ الظَهْرِ ، دليلاً على كَدِّهِ و جِدِّه وصبرِهِ فَكلما تثاقلتْ على ظَهرِه الأوزان ، تقوَّسَ ظَهْره و خارتْ قِواه وإنْهَدَلَتْ أذناه وماتت ذاكِرَته و ضميره، حتى صار يرى النورَ حَرّاً والعتمةَ قَرَّاً والخيرَ شَرَّاً.

أجل، إنه حمار الطاحونة الذي يقوم بكل شيء، خوفا من أن يحرم رزمة البرسيم التي تعطى له آخر الشهر عفوا أقصد آخر اليوم و خوفا من أن يطرد من البيت أقصد الزريبة التي في اعتقاده أنه بناها. مسكين هو حمار الطاحونة، يقوم بالعمل كله، لكنه لا يستطيع يوما أن يكون صاحب طاحونة. فهو يعمل ليعيش و يعيش ليعمل،  متفان في العمل، لا يتذمر و لا يشتكي و لا يقلق راحة صاحبه بالرغبات. يقوم بالعمل عوضا عنه عسى أن يجود عليه بحفنة إضافية من الشعير أو بيوم راحة. فهل هناك أقنع من حمار الطاحونة؟ وهذه “القناعة” أو الحصول على الفتات تدفع البعض للتملق و”لحيس الكابة” لأنه شرط للحصول على المسؤولية والمناصب.  فالحمير مناصب  وعذاباتهم مراتب وهم في المعاناة طبقات ودرجات. وهكذا تستمر الطاحونة في الدوران حتى تجد الطاحونة غدا حمارا يديرها لكي لايتوقف الإنتاج.

سيتساءل البعض ما علاقة بعض المسؤولين  بحمار الطاحونة؟  من لا يرى من الغربال فهو أعمى.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.