أحداث العنف في لشبونة.. قضية العنصرية تستأثر بالنقاش
في ضواحي العاصمة لشبونة، أعلنت الشرطة البرتغالية، يوم الاثنين الماضي، مقتل أودايير مونيز، وهو رجل أربعيني ينحدر من الرأس الأخضر على يد شرطي في ظروف غامضة، وهو ما أثار سجالا واسعا حول العنصرية في البلاد.
هذه الواقعة، نادرة الحدوث في بلد صنف ضمن البلدان الأكثر آمانا وسلاما في العالم، فجرت حالة من الغضب العارم وموجة من الاحتجاجات بين ساكنة حي زامبوجال الفقير حيث تعيش عائلة الضحية، وسرعان ما انتشرت أعمال الشغب إلى مناطق أخرى من لشبونة، تخللتها حوادث إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة وحرق صناديق القمامة والسيارات والحافلات وإطلاق النار.
ولم يثن توجيه تهمة القتل غير العمد لضابط الشرطة البالغ من العمر 20 عاما الذي أطلق النار على الهالك مرتين، آلاف الأشخاص عن الخروج للتظاهر بلشبونة، احتجاجا على عنف الشرطة والعنصرية، حيث رفع المتظاهرون، الذين جابوا الشوارع الرئيسية للعاصمة البرتغالية في مسيرة سلمية، شعارات تندد بالعنصرية من قبيل “لا سلام بدون عدالة”، و”لا لعنف الشرطة”، و”العنصرية تقتل”.
وطالب المحتجون بمحاسبة الجناة ورفع الوعي حول التمييز والعنف الموجه نحو المجتمعات المهمشة، خاصة من ذوي الأصول الإفريقية.
واستأثرت هذه الحادثة بحيز هام من نقاشات المحللين والإعلامين ورواد شبكات التواصل الاجتماعي في هذا البلد الإيبيري الذي يستقبل جالية إفريقية مهمة لاسيما من المهاجرين القادمين من البلدان الناطقة باللغة البرتغالية.
وفي هذا الصدد، أوضح عالم الاجتماع بجامعة بورتو، تيكسيرا لوبيز، أنه لم يتفاجأ من هذا العنف على الرغم من أنه أمر نادر في البرتغال، لأن الأحياء الشعبية والضواحي تفتقر إلى كل شيء.
واعتبر الأكاديمي البرتغالي، في تصريح للصحافة، أن “الغضب يشكل أحيانا وسيلة التعبير الوحيدة لسكان الأحياء المحرومة التي تواجه العنف المؤسسي المستمر”.
في السياق ذاته، قالت منظمة مكافحة العنصرية “إس أو إس راسيسم” (SOS Racisme) أن مقتل السود على أيدي عناصر من الشرطة “يثير أكبر الشكوك والمخاوف” حول الدوافع الحقيقية لتدخلات الشرطة، وربطت هذه القضية بـ “حالات أخرى من قسوة الشرطة”.
وفي خضم النقاش الدائر حول انتشار خطاب الكراهية والعنصرية، أكد الرئيس البرتغالي، مارسيلو ريبيلو دي سوزا، في تصريح لقناة “سيك نوتيسياش” على أن البرتغاليين، على الرغم من “التفاوتات” و”المشاكل الاقتصادية والاجتماعية” الموجودة في المجتمع، هم “شعب هادئ ومسالم ومتزن”.
وشدد على أن “الأمن والنظام العام هما قيم ديمقراطية يجب الحفاظ عليها، لا سيما من خلال دور قوات الأمن”، مع الحرص على احترام مبادئ دولة القانون، وخاصة حقوق وحريات وأمن الأفراد.
من جهته، قال رئيس الوزراء البرتغالي، لويس مونتينيغرو، “نحن لسنا بلدا تشكل فيه قضايا الكراهية والعنصرية مصدر قلق”، مؤكدا أن “الغالبية العظمى” من البرتغاليين تتعايش بشكل جيد مع المهاجرين وتعرف كيف تميز “بعض الأحداث المعزولة” عن المشهد العام السائد في البلاد.
وأضاف رئيس السلطة التنفيذية البرتغالية، في تصريح للصحافة، على هامش الاجتماع الأول للمجلس الوطني للهجرة واللجوء، الذي انعقد أمس الاثنين، قائلا “لحسن الحظ، نحن بلد تعتبر فيه ظواهر انتهاك الكرامة وحقوق الإنسان حالات استثنائية ونادرة”، مشيرا إلى أن “البرتغال تعد مرجعا على الساحة الدولية فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان وكرامة الأفراد”.
ورغم تصريحات رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو، الذي حاول تخفيف حدة التوتر والتأكيد على أن “أعمال العنف الناجمة عن العنصرية تظل حالات معزولة ويتعين وضعها في سياقها الاستثنائي”، إلا أن العديد من النشطاء الحقوقيين والجمعيات المدنية يعتبرون أن المشكلة أعمق مما يتم تداوله، مؤكدين على وجود حالات متكررة من التمييز والحاجة إلى اعتماد تدابير تضمن العدالة الاجتماعية وتعزيز ثقافة التسامح والاندماج.
وبحسبهم، فإن هذه الأحداث هي نتيجة لعقود من تجاهل مشكلات العنصرية والتمييز تجاه الأقليات، مشيرة إلى ضرورة إدخال إصلاحات على مستوى الشرطة ونظام العدالة لضمان الحماية للمهاجرين والمواطنين من خلفيات مختلفة.
ويعزو بعض المراقبين تصاعد هذه الحوادث إلى خطابات اليمين المتطرف، التي تروج لمفاهيم مناهضة للهجرة وتدعو إلى سياسات صارمة تجاه المهاجرين. ويرى خبراء أن هذه الخطابات تؤجج مشاعر العنصرية وتعزز الاستقطاب الاجتماعي، مما يؤدي إلى توترات وحوادث متكررة.