برلمانيون يشككون في شفافية الدعم الموجه لاستيراد اللحوم
تفجر مجددا ملف ما يسمى بـ”فضيحة الفراقشية”، حيث جددت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية بمجلس النواب، يوم الإثنين، رفضها القاطع للمشاركة في المهمة الاستطلاعية المؤقتة التي قرر المجلس تشكيلها بهدف الوقوف على برامج وإجراءات دعم استيراد الأبقار والأغنام واللحوم، بزعم حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
هذا الرفض، الذي يأتي في سياق سياسي حافل بالتوترات، اعتبره حزب “المصباح” موقفًا مبدئيًا نابعًا من قناعة بأن المهمة الاستطلاعية لا تعدو كونها غطاء برلمانيًا لتعويم فضيحة تدبير حكومي يكتنفه الغموض وشبهات الريع، وفق تعبيره. إذ ترى المجموعة النيابية أن الأمر يتعلق بمحاولة من الأغلبية لإخفاء ما وصفته بـ”الحقائق الصادمة” المرتبطة بتقاسم اعتمادات مالية ضخمة، خُصصت لاستيراد اللحوم، دون أن يظهر لذلك أثر ملموس على أسعار السوق أو القدرة الشرائية للمواطنين.
العدالة والتنمية ذهبت أبعد من ذلك، حين وجهت اتهامات مباشرة لأشخاص مقربين من رئيس الحكومة، من بينهم مستوردون كبار وبرلمانيون، بالتورط في الاستفادة غير المشروعة من هذه الاعتمادات، مستندة إلى ما وصفته بتضارب المعطيات بين وزراء الحكومة أنفسهم حول حجم الدعم وأثره، وهو ما دفع بعض الوزراء إلى التراجع عن تصريحات سابقة تحت ظروف اعتبرتها “غامضة”.
في هذا السياق، شددت المجموعة على أن الآلية الرقابية الوحيدة القادرة على الإحاطة الشاملة بهذا الملف، تتمثل في تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، بحكم الصلاحيات الدستورية التي تخول لها الاستماع الإجباري لجميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الفاعلون في القطاع الخاص الذين يشكلون محورًا أساسيا في عمليات الاستيراد والدعم.
وفي معرض تبريرها لرفض المشاركة، أكدت المجموعة أنها سبق وأبلغت رئيس لجنة القطاعات الإنتاجية بموقفها الرافض، مستندة إلى مقتضيات النظام الداخلي للمجلس، حيث أشارت إلى أن الطلب المتعلق بالمهمة الاستطلاعية احتل المرتبة السابعة في ترتيب الطلبات المقدمة، ما يثير، بحسبها، علامات استفهام حول المعايير التي تم اعتمادها لتفعيل هذا الطلب بالذات، وإقصاء مواضيع أخرى أكثر إلحاحًا في سلم الأولويات المجتمعية.
حزب العدالة والتنمية لم يكتفِ بالرفض، بل أعلن عن شروعه في إعداد تقرير شامل يرصد من خلاله الإجراءات الحكومية في ما يتعلق بالدعم الموجه للقطاع الفلاحي عامة، وقطاع المواشي على وجه التحديد، مع تحليل انعكاسات ذلك على القدرة الشرائية، في محاولة لممارسة رقابة موازية خارج الأطر التي يعتبرها غير كافية أو موجهة سياسيًا.
وتأتي هذه الأزمة في ظل جدل واسع يشهده المغرب منذ شهور حول عمليات استيراد الأغنام والأبقار التي تم الترويج لها باعتبارها خطوة استباقية لتطويق موجات الغلاء، خصوصًا قبيل عيد الأضحى. إلا أن هذه العمليات تحولت إلى موضوع شائك، بعد تداول معلومات تفيد بوصول شحنات من الأبقار الأجنبية التي لا تتوافق مع المعايير الصحية، فضلًا عن اتهامات لعدد من “الفراقشية” — وهو الاسم الشعبي الذي يطلق على كبار تجار الماشية — باستغلال برامج الدعم لتحقيق أرباح غير مشروعة، بالتواطؤ مع مسؤولين نافذين.
وتشير تقارير غير رسمية إلى أن جزءًا من اللحوم المدعومة لم يساهم في خفض الأسعار كما وعدت الحكومة، مما أعاد النقاش حول مدى نزاهة منظومة الدعم، ومن هي الجهات المستفيدة فعليًا منها. الأمر الذي دفع المعارضة إلى المطالبة بلجنة لتقصي الحقائق، في حين اختارت الأغلبية المضي في مهمة استطلاعية مؤقتة تفتقر، حسب العدالة والتنمية، إلى القوة القانونية والسياسية الكافية لكشف الحقيقة الكاملة، و بهذا الموقف، يعمق حزب العدالة والتنمية من أزمة الثقة بين مكونات المؤسسة التشريعية، ويعيد النقاش حول دور البرلمان في مساءلة الحكومة، وحول مدى قدرة الآليات الرقابية المتاحة على اختراق جدار الصمت الذي يحيط ببعض الملفات الشائكة ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي.