النقابات ترفع اللاءات الثلاث في ملف إصلاح التقاعد بالمغرب
تتواصل في المغرب مشاورات صعبة بين الحكومة والمركزيات النقابية بشأن ملف إصلاح أنظمة التقاعد، في ظل تباعد واضح في الرؤى والمقاربات، حيث تصطدم الخطط الحكومية لإصلاح هذه الأنظمة الاجتماعية الحساسة برفض نقابي واسع، قائم على “ثلاث لاءات” تعارض بشدة ما يوصف بـ”الثالوث الملعون”: رفع سن التقاعد، الزيادة في مساهمات العمال، وخفض المعاشات.
فمنذ انطلاق أولى جولات الحوار الرسمية في 18 يوليوز الماضي، والتي تميزت بانعقاد اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بدا أن التوافق المنشود لا يزال بعيد المنال. الاجتماع، الذي حضره ممثلو النقابات والاتحاد العام لمقاولات المغرب، جاء في سياق سعي الحكومة إلى بلورة تصور شامل لما تعتبره إصلاحاً هيكلياً يضمن الاستدامة المالية لصناديق التقاعد، ويحفظ حقوق المتقاعدين، ويعزز السلم الاجتماعي.
خلال هذا اللقاء، قدمت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي عرضاً تفصيلياً حول منهجية الإصلاح المقترحة، والتي شددت على أنها تشاركية ومبنية على مبادئ العدالة الاجتماعية والتوازن المالي. غير أن النقابات قابلت هذا الطرح بمواقف متشددة، متهمة الحكومة بتبني مقاربات محاسباتية ضيقة، تسعى إلى تحميل الشغيلة تكلفة اختلالات ليست من مسؤوليتها.
ويؤكد ممثلو النقابات، ومنهم البرلماني خالد سطي عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، أن أسباب الأزمة التي تعرفها صناديق التقاعد تعود إلى عقود من السياسات العمومية الفاشلة، وسوء التدبير، وغياب الإصلاحات البنيوية الحقيقية. ويرى سطي أن إصلاح التقاعد يجب أن يكون مدخلاً لتحقيق العدالة بين الأجيال، وضمان كرامة المتقاعدين، وليس وسيلة لتقليص حقوق الموظفين والمستخدمين.
وقد جدد الاتحاد المغربي للشغل، عقب مشاركته في اجتماع اللجنة الوطنية، رفضه القاطع لما وصفه بـ”المقاربات الحكومية التقشفية”، محذراً من أن الثالوث المقترح — رفع سن التقاعد، زيادة نسب الاقتطاعات، وخفض قيمة المعاشات — سيؤدي إلى تفاقم الاحتقان الاجتماعي ويقوض الثقة في المؤسسات. ودعت النقابة إلى تعزيز الحكامة في تدبير صناديق التقاعد، وتحسين استثمار مدخراتها، مع المطالبة بزيادة عامة في معاشات التقاعد، بدلاً من تقليصها.
هذا الرفض لا يقتصر على الاتحاد المغربي للشغل فقط، بل تؤيده أيضاً نقابات وازنة مثل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والفدرالية الديمقراطية للشغل، وهو ما يعكس جبهة نقابية موحدة في مواجهة التصورات الحكومية. الجميع يجمع على أن الحل لا يكمن في الإجراءات الحسابية فقط، بل في مراجعة شاملة للمنظومة، تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي.
ورغم ذلك، تؤكد الحكومة، في بياناتها الرسمية، أنها تتوفر على إرادة قوية لمعالجة هذا الملف في إطار تشاركي وتوافقي، وتطمح إلى وضع تصور يحافظ على حقوق الموظفين والمتقاعدين، ويضمن استدامة الصناديق. كما تذكر بأن الإصلاحات المزمع تنفيذها تراعي التوازنات المالية للدولة ومصالح الشغيلة ومقاولات القطاع الخاص في آن واحد.
لكن الوضع المالي للصناديق التقاعدية لا يزال مقلقاً. فقد كشفت زينب العدوي، رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، في ماي 2024، عن عجز كبير بلغ 9.8 مليار درهم في الصندوق المغربي للتقاعد، محذرة من احتمال استنفاد أرصدته الاحتياطية التي كانت في حدود 65.8 مليار درهم عام 2023، بحلول سنة 2028. أرقام أخرى رسمية تفيد أن أنظمة التقاعد تغطي حالياً حوالي 4.8 ملايين منخرط، مقابل 1.4 مليون متقاعد يتقاضون ما مجموعه 67.2 مليار درهم من المعاشات.
في هذا السياق، يصرّ الفاعلون النقابيون على أن أي إصلاح لا يجب أن يتم من فوق، بل ينبغي أن يكون ثمرة حوار اجتماعي مسؤول، يُشرك جميع الفرقاء، ويضع في صلب اهتمامه تحقيق الإنصاف، وضمان الحقوق، وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتهم، لا أن يزيد من مخاوفهم تجاه مستقبلهم الاجتماعي والمعيشي.
ويبقى الرهان الأكبر اليوم هو الوصول إلى توافق وطني حول نموذج إصلاح منصف ومستدام لأنظمة التقاعد، يُراعي العدالة بين الأجيال، ويضمن كرامة المتقاعدين، ويجنّب البلاد مزيداً من التوترات الاجتماعية.